خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مفهوم الصورة الشعرية بين القديم والحديث

ID 144886023 © Nikolay Antonov | Dreamstime.com

يعرف الشعر بأنه كلام موزون مقفى، وهو كلام مختار بدقة وعناية ليعبر عن الحالة النفسية والعاطفية التي يمر بها الشاعر، ويدل على معانٍ بذاتها، ويعتمد على الخيال والوصف وتصوير المشهد بالكلمات التي تخدم الناحية الموسيقية والإيقاعية، ويعد ذلك سر الشعر الأكثر تمييزًا له عن غيره. ويحول الشاعر الكلمات ويمزج بينها لتكون صورًا فنية وواقعية وأحيانًا كثيرة خيالية.

يقوم الشعر على الصورة، وتعد عنصرًا مهمًا من العناصر المؤثرة في جمال الشعر وإبراز رونقه، فمن خلالها يستطيع الشاعر إيصال معانيه التي يقصدها إلى القارئ. ونقف هنا على الصورة قديمًا وحديثًا لندرك مدى الفرق بينهما.

نالت الصورة الشعرية عند القدماء من الأدباء والنقاد واللغويين اهتمامًا كبيرًا، وقد ربط النقاد بين الحداثة والصورة الشعرية، لكنهم لم ينكروا الصورة وأن القدماء قد استخدموها وقصدوها بذاتها تمييزًا لها عن بقية العناصر، ولكن الاختلاف في الطريقة التي فهم القدماء بها الصورة الشعرية، وعن ذلك الموقف يقوم الناقد واللغوي الدكتور إحسان عباس: “وليست الصورة شيئًا جديدًا، فإنَّ الشعر قائم على الصورة منذ أن وُجد إلى اليوم، لكنَّ استخدام الصورة يختلف من شاعر إلى آخر، كما أنَّ الشعر الحديث يختلف عن الشعر القديم في طريقة استخدامه للصُّور”.

ولعل أبرز من درس الصورة الشعرية قديمًا كان الناقد الكبير واللغوي المجدد عبد القاهر الجرجاني، حيث يصف الصورة بأنها نوع من التصوير والصياغة، إذ يقول: “ومَعلوم أنَّ سبيل الكلام سبيل التصوير والصِّياغة، وأنَّ سبيل المعنى الذي يعبِّر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصَّوغ فيه”. وكذلك الأمر عند الجاحظ الذي يرى الشعر عبارة عن فن تصوري، تشكل الصورة فيه جزءًا كبيرًا من الجمال والتعبير، فيقول: “الشعر فنٌّ تصويريُّ يقوم جانب كبير من جماله على الصورة الشعريّة، وحسن التعبير”.

تلك كانت وجهة النظر القديمة للصورة الشعرية، أما النقد الحديث بما اشتمل عليه من نظريات تأثرت كثيرة بالغرب، فلم يعد يرى الصورة مجرد خيال أو تعبير أو تصوير، بحيث تحولت إلى ما يسمى بالصورة الفنية، وقد ظهرت تلك التسمية في نهايات القرن التاسع عشر، واقترب من هذا المسمى أيضًا ما عُرف بالصورة الأدبية أو التصوير الفني أو التصوير في الشعر. وقد نظر النقد الحديث إلى الصورة باعتبارها تفاعلاً متبادلاً بين الشاعر والمتلقِّي من خلال الأفكار والعاطفة، فمن خلالهما يستطيع الشاعر التعبير عما يحدثه هذا التفاعل بلغة خاصة وشعرية تقوم على الأساليب الخاصة ببناء الصورة مثل: المجاز، والاستعارة بأنواعها، والتشبيه، والتأثير على أحاسيس القارئ وحفز استجابته.

من خلال تلك الرؤية فإن الصورة الشعرية في العصر الحديث قامت على عدة مقومات أو عناصر، وهي تشكل في تكاملها مضمون التجربة الشعرية لدى الشاعر. وهناك عدة عناصر مهمة لتشكيل الصورة الشعرية، ألا وهي: أولاً: اللغة، وهي المادة الأساسية للكلام والشعر ممثلة في الألفاظ. وثانيًا: الموسيقى، وهي الوزن الخاص الذي يسير عليه الشاعر وفق بحوره المختلفة لبناء قصيدته، وكذلك القافية. وثالثًا: الإيحاء وما يتبعه من أساليب جمالية. إضافة إلى المشاعر والعواطف والأحاسيس.

وترتبط الصورة الشعرية بالخيال بشكك وثيق، ولم يكن لها أن تتشكل إلا من خلال خيال الشاعر الذي يلتف حول الأشياء وفي أعماقها فيستخرج المعاني التي تغيب عنا، وتلك طريقته لإخراج الأحاسيس الداخلية والأفكار التي يحملها، محاولاً مشاركة القراء له فيها. وينبغي أن يكون خيال الشاعر واسعًا، ويصل إلى أعماق الأشياء، ولا يقف عند المعنى الظاهري، حتى يستطيع أن يكوّن صورة جيدة ورائعة، وحتى يحدث التفاعل المطلوب بين الشاعر والقارئ.

تلك هي العلامات الأساسية المميزة للصورة الشعرية قديمًا وحديثًا.