مفهوم ثقافة السعادة

فلسفة 9 Ramadan 1442 AH محمود أبوقُورة
ثقافة السعادة
Photo by Warren Wong on Unsplash

يبحث الإنسان عن السعادة منذ القدم وحتى اليوم، لأن السعادة إذا فُقدت يضيع كل شيء نحاول القيام به. ولذا يتحرى الإنسان طريقها ويبحث في كيفية تحققها ويبذل في ذلك جهدًا كبيرًا ساعيًا بكل ما يمتلكه من فكر وعقل ومادة وأدوات لتحصيلها. ومع ذلك كله فإن السعادة تبقى سرًّا لا يمكن إدراك ماهيته بشكل كامل.

ولا يستطيع الوصول إليه إلا عدد معين من الناس؛ ذلك أنها شعور داخلي وليست أسبابًا مادية. وهي راحة يجدها الإنسان في داخله، وانشراح صدر وطمأنينة قلب. وتتمثل أكبر مشكلة يواجهها الإنسان أنه لا يعلم كيفية تحقيق السعادة، وما الأدوات اللازمة لكي يحصل عليها، ولذا تجده يُجرِّب طرقًا شتى من أجل الوصول للسعادة التي ينشدها. مثل الطرق المادية الملموسة وغيرها، ولكنه قد لا يصل إليها رغم ذلك. وهذا يجعلنا نتساءل ما السعادة؟ وأين تكمن؟ وهل هي قرار واستعداد أم أنها أمر محتوم يصيب البعض دون الآخرين؟

مفهوم ثقافة السعادة

يعد مصطلح ثقافة السعادة من المصطلحات الشائكة والتي شهدت تعريفات كثيرة، وهي في أغلبها تختلف عن بعضها بعضًا. وهذا ناتج عن أن السعادة في حياتنا أمر نسبي، فقد يسعد المرء لشيء ما، في حين يغضب من أشياء أخرى كثيرة. كما أن الشيء الذي يُسعد بعض الناس، قد لا يمثل سعادة عند الآخرين. وهكذا يتغير مفهوم ثقافة السعادة وفقًا لنظرة الإنسان إلى السعادة، وإلى مفهوم كل منا عنها وكيف يحصل عليها.

وعامة فإن الجميع يودون الحصول على السعادة، ولكن لو سألتهم ما معنى السعادة؟ فإنهم لن يستطيعوا أن يجيبوا بشكل دقيق، فالأمر ربما يختلط لديهم بمفاهيم أخرى مثل: الرضا، والرفاهية، والغنى، والسعي نحو الرزق، والنجاة من الموت… وغير ذلك من أمور أساسية في حياة الناس. وقد اعتبر عديد من الفلاسفة مفهوم السعادة من الأمور التي يصعب تعريفها أو وصفها.

عرّف الفلاسفة السعادة ولكنهم أعطوها معنى واحدًا أو جانبًا واحدًا فقط، فأرسطو مثلاً يرى أن السعادة تعني اللذة، أو هي مرتبطة بحدوث اللذة، والتي تعني غياب الألم والإزعاج والمنغصات بشكل واعٍ. ويرى الفيلسوف “سبينوزا” أن السعادة هي الغبطة التي نجدها في أنفسنا حينما نتحرر من عبودية الخرافات والأهواء الموجودة مسبقًا.

ويرى البعض أن السعادة هي القدرة على تجربة نطاق واسع من العواطف والمشاعر بشكل صحيح. فيما يرى آخرون أن السعادة تتمثل في الشعور بالرضا مع غياب القلق والتوتر والاضطراب. أما الإمام الغزالي فيرى  أن السعادة تعني في الأساس معرفة الله تعالى، كما يرى أن لكل شيء لذته الخاصة به، فلذة العين الصور الحسنة، ولذة الأذن الأصوات الطيبة، ولذة القلب معرفة العبد لخالقه… وهكذا باقي الأعضاء والجوارح.

السعادة قرار قبل أي شيء

يظهر من خلال ما سبق أن السعادة غير مرتبطة بشيء ما ملموس، بل هي شعور باطني، ولذا فإن الحصول عليه يجب أن يكون مكتسبًا وداخليًا، أي أنها ثقافة وقرار قبل أي شيء آخر، قرار يتخذه الإنسان ويسعى نحو تحصيله بصبره وإرادته ورغبته. فإذا عقد الإنسان العزم على أن يكون سعيدًا، فإنه سيقدم الأشياء التي يمكنها أن تُسعده وسيجعلها أمامه على الدوام. كما أنه سيكون فرحًا بأبسط الأشياء أو الإنجازات التي يُحققها.

وسيجد أن نظرة الحب والرضا تلاحق كل شيء يقوم به، دون أن يشعر بالسخط أو الكراهية أو يستسلم لليأس والقنوت. إن السعاة بِناءً على ذلك نوع من الثقافة التي يجب أن نكتسبها وننميها ونحافظ عليها، فمن خلالها يمكن أن يكون الإنسان راضيًا عن ذاته وما يقوم به، ويمكنه أن يكون تعيسًا ولو كان يملك كثيرًا من المال، فالعبرة هنا بتهيئة المرء للسعادة وتقبله للحياة بألمها ومعاناتها وأفراحها وملذاتها.

 

الكاتب: محمود حنفي أبو قُورة

باحث أكاديمي