خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مكة في القرن الرابع الهجري

Dmitrii Melnikov-Dreamstime
Dmitrii Melnikov-Dreamstime

تعد مكة من أكثر المدن الإسلامية أهمية عبر التاريخ الإسلامي كاملاً، فبها الحرم المكي قبلة المسلمين، ومنها بدأت الدعوة الإسلامية ومهبط الوحي، وفيها ولد خير البشر النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وقد تعرضت مكة منذ أن بنيت، لأحداث عديدة نتج عنها أزمات ألقت بظلالها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومن أشهرها حملة أبرهة الحبشي وحرب الفجار، وكذلك تعرضت لبعض الكوارث الطبيعية، وقد تعرض البيت العتيق للهدم بسبب السيول، ولعل أخطر الأحداث التي شهدتها مكة هو عدوان القرامطة عليها وعلى الكعبة واقتلاعهم للحجر الأسود الذي أعيد بأمر من الحاكم الفاطمي المنصور بن القاسم سنة 303 هـ.

كانت مكة موضع نزاع بين الفاطميين والعباسيين، وظهر خلال تلك النزاعات الأشراف الذين حكموا الحجاز وسيطروا عليها منذ سنة 365 هـ. وفي النصف الثاني من القرن الرابع الهجري زار مكة شمس الدين محمد بن أحمد المقدسيّ الذي حج مرتين وسكنها ووصف معالمها. يقول الدكتور عبدالعزيز السنيدي: “وقسّم المقدسيّ المعمور في مكة إلى قسمين رئيسين، فقال: وكل ما نزل عن المسجد الحرام يسمونهالمسفلة، وما ارتفع عنهالمعلاةوالكعبة في وسطه“.

وكانت مكة في تلك الفترة محصنةً ومحاطةً بالأسوار، ويمكن الدخول إليها عبر أربعة أبواب مصنوعة من الحديد. بينما كانت منازلها على شكل طبقات مبنية من الحجارة المختلفة الألوان والأجزاء، وتسقف بخشب الساج، وبناؤها من حجارة سوداء مُلس وبيض أيضًا وعليها الآجر، وأما موقع الحجر وشكله، فألبست حيطانه بالرخام مع أرضه، ارتفاعها ما يقارب مترًا والطواف من ورائه.

وقد ذكر لنا الأزرقي أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور قد كسا جدران الحرم بالرخام، ثم فرش الخليفة المهدي أرضه بالرخام، وأما المطاف فكان مفروشًا بالرمل، أما بقية أرضية المسجد فهي مغطاة بالحصى، وأما إنارة المطاف فقد أحاط بها أعمدة من حديد الصفر وألواح من الخشب فيها قناديل معلقة, ويكون من فوقها الشمع لملوك مصر واليمن وغرغستان، وكانت تعلق بالسلاسل. وكانت لبئر زمزم قبة ومن ورائها قبة الشراب، وفيها حوض كان يسقى فيهالسَّويقوالسكر في القديم، وفيه كذلك بقايا حوض لسقاية الحجاج إلا أنها كانت متوقفة عند زيارته.

وأما مقام إبراهيم فيستقر بإزاء وسط البيت الذي فيه الباب، وهو أقرب إلى البيت من زمزم، ويدخل في الطواف في أيام موسم الحج، وحين ازدياد الطائفين فإنهم يطوفون من ورائه. وللمقام صندوقان خُصصا لتغطيته حسب الظروف والمناسبات، أحدهما مصنوع من الحديد، بينما الآخر من الخشب. كما أن المقام غير ثابت في مكانه طوال السنة؛ إذ ينقل إلى داخل البيت الحرام في أثناء الموسم، وكان لصندوقه الخشبي باب يفتح للإمام عند أداء الصلاة، فإذا انتهى من أدائها تسلمه.

وقد بيّن المقدسيّ أن المسعى فيه مواقع للأميال التي يرحل فيما بينها الحاج والمعتمر في أثناء سعيه كما هو معروف، وقد طُليتْ الأميال باللون الأخضر، وأن الصفا ملتصق بجبل أبي قبيس، والذي يُصعد إليه من الصفا بواسطة دَرَج.  وكان لمكة أسواق كثيرة ودائمة ومنتشرة بشكل واسع حول المسجد الحرم، وهناك المتخصص منها كسوق العطارين، والبزازين، والزياتين، والدقاقين، والتمارين، والشطوسيينالأقمشة والملابس“. ومنها ما هو عام كسوق الروم وسوق الليل.

وكان لأهل مكة استثمار عقاري من خلال استغلال الدُّور وتأجيرها للحجاج والمعتمرين وغيرهما. وأمّا اللباس الموجود فيها، فكان لبس الوزر والأزر بلا قميص إلا القليل، ويعد الإزار من الألبسة السائدة وهو المشهور في مكة لدى كثير من الرجال والنساء في الحاضرة والبادية، وذلك منذ عصور الإسلام الأولى.

لقد كانت مكة طوال القرن الرابع الهجري مكانًا دائم الازدهار، ينمو يومًا وراء آخر، فيها اهتمام بالبيت الحرام من قِبل الخلفاء والأمراء، مما جعلتها محافظة على مكانتها التاريخية الرائدة.