خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

من أشعار أبناء الخلفاء: (شعر سُلَيْمان بن المنصُور)

marvin-meyer-xaBXkNQnmXw-unsplash
Marvin Meyer-Unsplash

كان لأبناء الخلفاء وأسرهم تنشئة خاصة بهم، تختلف عن غيرهم من عامة الناس، نظرًا لاهتمام الخلفاء بتعليمهم وتثقيفهم، فقد يصبح أحدهم الخليفة يومًا، ويستعين الخلفاء بمجموعة من المؤدبين الذين يتميزون في زمانهم بالحكمة والعلم وحسن الطوية، بعضهم من المشايخ والفقهاء، وبعضهم من الشعراء والأدباء، وبعضهم من اللغويين وأصحاب اللسان. وبذلك يضمن الخلفاء لأبناء التميز في كل علوم عصرهم. ومن هؤلاء الأبناء من رزق موهبة الأدب والشعر، فخلفوا لنا أشعارًا كثيرة، ولهم حكايات مسلية. ونذكر هنا واحدًا من تلك الشخصيات، ونقف على بعض شعره، لأنه يعطينا صورة عن العصر الذي كان يعيشون فيه ومدى ما وصلوا إليه من حب للعلم والمعرفة.

هو أبُو أيّوبَ سُلَيْمانُ بْنُ الَمْنصُور، وأمه أم يعقوب فاطمة بنت محمد بن محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، وسليمان له شعر فصيح بليغ، وهو خطيب مفوه، ومما ذكر عنه أنه حينما كان ولاية على بعض مدن الشام، كتب إلى محمد بن صالح بن بَيْهَسَ الكلابي، وذلك حين ظهر من يسمى السفياني، كتابًا بديعًا جاء في آخره بعض الأبيات الشعرية من إنشائه، جاء فيها:

أَتاكَ قَوْلُ مَهِيبٍ غَيْرِ مُهْتَضمِحامِي الذِّمارَ مَنِيعِ الجَارِ وَالدِّمَمِ

فَلْستُ لُبَّ بَنِي الْعَبَّاسِ إنْ سَلَمْتكِلابُ لَمْ أَغْشَها بِالصَّيْقَل الرَّقِمِ

في عَسْكَرٍ قادَهُ منْ هاشم مَلٌكجاري الأْضاِ آة ثَبْتُ الْقَلْبِ وَاْلقَدَمِ

حَتَّى أُغادرِها صَرعَي ومن لِمَنْبَيْنَ المِنازِلِ وَالأْمْوال وَالحَرَمِ

ثَوابَ ما فَعلوا إنِّي الزَّعِيمُ بِمافِيِه بَوارُهُمُ مِنْ عاجلِ النِّقَمِ

وهناك قصة طريفة تروى في هذا الباب لبعض شعره حينما سلب جارية من قبل أخيه المهدي، حيث قال سعيد ابن هريم: اشترى سليمان بن المنصور جارية يقال لها ضعيفة بخمسة آلاف دينار، فبلغ المهدي خبرها فوجه إليه: يا أخي بحقي عليك إلا أخذت هذه العشرة الألف الدينار، وآثرتني بضعيفة عزمة مني عليك فأنفذها إليه، وقيل بل قسره على أخذها، ثم تتبعتها نفسه فسأل المهدي فيها، فلم يجبه فقال:

رَبِّي إِلَيْكَ المُشْتَكَى  ماذا لَقِيتُ مِنَ الخَلِيفَةْ

يَسَعُ الْبَريَّةَ عَدْلُهُ  وَيَضِيقُ عَنِّي فيِ ضَعِيَفهْ

عِلَقَ الْفُؤَادُ بِذِكْرها  كَالْحِبِرْ يَعْلَقُ فِي الصَّحِيَفهْ

لِي قِصَّةٌ فِي أَخْذِها  وَخَدِيعَتِي عَنْها طَرِيفَهْ

واشتد ألم سليمان بن أبي جعفر بفراق جاريتهضعيفة، وزاد شوقه إليها، فما كان منه إلا أن كتب رقعة إلى المهدي أرسلها مع ابنه موسى الهادي وقال له: كلم أباك أن يرد على عمك جاريته ضعيفة، فكلمه فلم يفعل، وقال: ولا كرامة، فبلغ سليمان ذلك القول فأنشد سليمان:

أُعِقْبتُ مِنْ فِعْلِي النَّدامَهْوَحَصَلْتُ فِيهِ عَلَى اْلعَرامَهْ

وَفقَدْتُ مِنْ فَقْدِي لَهُفَقْدَ اِلكْتابَةِ وَالسَّلامَهْ

وَأَنا شَكَوْتُ إلَى الذَّيِوَرِثَ الِخلافَة وَالإِمامَهْ

شَوْقِي بِها أَلْقاهُ مِنْوَجْدٍ يَقَولُ وَلا كَرامَهْ

يا لاِئِمي فِي حُبِّهاالْحُسْنُ خَصْمُ ذَوِي المَلامَهْ

وبعد مكاتبات وأشعار كثيرة على هذا المنوال، رق المهدي لأخيه سليمان وأعاد إليه الجارية. ومن أشعاره أيضًا:

فَلَمْ تَبْقَ لِي دَمْعَةٌ فِي الشُّؤُونِ إلاَّ غَدَتْ فَوْقَ خَدِّي تَجولُ

فَقالَ نَصِيحٌ مِنَ اْلقَوْمِ لِيوَقَدْ كادَ يَقْضِي عَلَيَّ الْغَليِلُ

تَرَفَّقْ بِدَمْعِكَ لا تُفْنِهِفَبَيْنَ يَدَيْكَ بُكاءٌ طَوِيلُ

وقال في موقف آخر مخاطبة محبوبته:

يا باعِثاً لِلْفُؤَادِ وَجْداأَبْدَعَهُ حُسْنُهُ الْبَدِيعُ

أَصْبَحَ حَرْباً لِيَ الهْجُوُعُمِنْكَ وَسَلْماً لِيَ الدَّمُوعُ

يُكَلِّفُ العاذِلون قلبِيبِاْلَعْذلِ ما لَيْسَ يَسْتَطيِعُ

قَلْبِي لِمَنْ لامَ فِيهِ عاصٍوَهُوَ لِمْنْ لَمْ يَلُمْ مُطِيعُ

ضَعِيفَةٌ تُضْعِفُ اصْطِباريقَلْبِيَ مِنْ حُبِّها وَجِيعُ

لقد كان سليمان بن جعفر من أبناء الخلفاء المجيدين للشعر، وينتظر أي مناسبة ويقول الشعر فيها، حتى أصبح حديثه مع الولاة والخلفاء وأقربائه لا يخلو من الشعر والنظم. ولم يكن هذا الشعر وغيره مما يتكسب به، بل كان خارجًا ومعبرًا عن ذاته، وناقلاً من خلال بعض الرسائل المهمة التي لا تدرك إلا بقول الشعر.