خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مواجهة نوازع الشيطان

ID 178401419 © White  Life | Dreamstime.com
ID 178401419 © White Life | Dreamstime.com

مواجهة نوازع الشيطان من الأمور الحتمية في هذه الحياة، فلا يوجد أحد يسلم منها إلا مَنْ عصمهم الله منها، ولذا فإن مدافعة تلك النوازع هي السبيل نحو النجاح في الخروج من دائرة المعصية والشهوات والشبهات. ومع ذلك فإن الكثير من الناس معرضون لتلك النوازع بدرجات متفاوتة، وأحيانًا يقف الإنسان عاجزًا عن مدافعتها أو التغلب عليها، فما السر وراء ذلك الأمر؟ علينا أن نعرف أن نزغات الشيطان تشبه كرةَ ثلجٍ صغيرة في قمة جبل جليدي، تبدأ تتدحرج وفي كل دورة يزداد حجمها وسرعتها، وعند لحظة سقوطها تصل إلى قمة عنفوانها وقوتها، فهل يمكن ردّها؟ هكذا واقع التصورات والواردات المنحرفة التي يتعرض لها القلب، فحين يُسمح لها بالدخول تتسع وتكبر، وتضعف القدرة على ردّها كلما تهاون في تركها، وتمادت فيها مشاعره وعواطفه.

ولمواجهة تلك النوازع والواردات من البداية، فإنه لا بد الاستعانة بالله تعالى ثم بالأذكار والأعمال الصالحة التي تحصننا من واردات الشيطان وأحابيله، تمنع بإذن الله تعالى أن تكون للأفكار المثيرة والنزغات الشيطانيّة سلطان على القلب، وإن عُرضت له فإنه بتقواه ومروءته لا يسمح لها بأن تستقر وتنمو.

لكن كيف يُقنِع الإنسان نفسه بالصبر عن الاسترسال في طريق الغواية وما فيه من مغريات مختلفة؟ الخوف من الله، والتأثر بزواجر الشرع، والعمل بحكمة العقل ومروءة النفس، هم السبيل إلى القناعة والالتزام بالفضيلة مهما كان في الانحراف من شهوات تميل إليها النفس. واستمع إلى هذا النداء:

وإذا خلوتَ بريبةٍ في ظُلمةٍ  ..  والنفسُ داعيةٌ إلى العصيانِ

فاستحِ من نَظر ِالإلهِ وقلْ لها:  ..  إن الذي خلقَ الظلامَ يراني

وصوّر شاعر آخر عزة نفسه عن المعاصي، وكيف يأنف أن يلوث نفسه بما تتلوث به الكلاب، فيقول:

وإذا وَقَع الذُّبابُ على طعامٍ  ..  رفعتُ يدي ونفسي تشتهيهِ

وتجْتَنِبُ الأسُودُ ورودَ ماءٍ  ..  إذا كنّ الكلاب ولغن فيهِ

والسبب الرئيس في قول الشاعر السابق، أنه رأى زوجته تحدِّث رجلاً غريبًا، فطلقها وقال هذه الأبيات. وهكذا يشبه الشاعر أصحاب الانحراف بالكلاب، وهم عادة كذلك، إذ إنهم أناسٌ تخلوا عن دينهم، ولوثوا أنفسهم بقاذورات الفواحش، وعرَّضوا أنفسهم للمعصية وشغلوها بالإثارة والشهوات المحرمة، ولقد قال قديمًا الأحنف بن قيس: “لو كان شربُ الماء يُذهِب بالمروءة، ما شربته“. وهل كان يقصد الماء فقط! بل كان يقصد أمورًا أخرى كثيرة من خوارم المروءة يمكن أن يتركها الإنسان ليحافظ على جانب كبير من رجولته وصفاء سريرته.

ويصوّر شاعرٌ آخر إعراضه عن صور الانحراف وما فيها من جاذبية، فيقول:

أعرضتُ إعراضَ التّعفُّفِ عَنهمُ  ..  وقطعتُ وصْلَهمُ وقرَّ قرارِ

ما ذاك جهلاً بالجَمَالِ وإنما  ..  ليس الخنَا مِن شِيمةِ الأحرارِ

ويقول شاعر آخر واصفًا أهل الميل والعشق والافتتان بكل قبيح:

مما أضرّ بأهلِ العِشقِ أنهمُ  ..  هَووا، وما عَرفوا الدنيا وما فَطنوا

تَشْقَى عُيونُهمُ وأنفسُهم  ..  في إثر ِكلّ قبيحٍ وجههُ حَسَنُ

ويقول شاعر آخر:

وغض عن المحارمِ منكَ طرفًا  ..  طموحًا يَفْتِنُ الرجلَ الأريبا

فخائنةُ العيونِ كأسدِ غابٍ  ..  إذا أهملتْ وثبتْ وثُوبا

ومَنْ يَغضضْ فضولَ الطَّرفِ عنها  ..  يجدْ في قلبِه رُوحًا وطيبا

وكنْ عن كلِّ فاحشةٍ جبانًا  ..  وكنْ في الخيرِ مِقْدَمًا نجيبا

ولاحظْ زينةَ الدنيا ببغضٍ  ..  تكن عبدًا إلى المولى حبيبا

والشاعر هنا يدعو إلى الفضيلة ومكارم الأخلاق، وأن يغض الإنسان عينه عن المعاصي، لكي يكون عبدًا وحبيبًا لله تعالى. إن مواجهة نوازع الشيطان في عصرنا هذا خاصة عملية ملحة وذات أهمية للمحافظة على النفس مما يشوبها من الآثام ومن الفتن التي تغري النفس وتدعوه لولوج هذا الطريق المهلك، فقد تعددت سبل الشيطان وتعددت في الوقت ذاته مداخل الشهوة وأصنافها، فلا نكاد نشغل التلفاز إلا ونجد من الموبقات ما يعلمها إلا الله، وكذا الحال بالنسبة لشبكة الإنترنت، أو المجلات أو حتى مجرد السير في شوارعنا اليوم والتعرض للفتن المختلفة.