خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مواقف أبي تمام مع خالد بن يزيد الشيباني

ID 129744443 © Hel080808 | Dreamstime.com

كان أبو تمام من أكثر شعراء عصره مكانة ورفعة، فقد كانت له ذائقة شعرية جيدة وروح متقدة، وتميز شعره بالرصانة اللفظية والحيل الفنية الرائعة. وكان العصر عصر شعر وإبداع وتميز، ولذا فإن مسألة التباري والمنافسة والتسابق كانت حاضرة بين الأدباء والشعراء، ولذا فإنهم كانوا يستغلون أقرب المواقف ليسجلوا بعض أشعارهم فيها، وكان العصر عصر تميز، فبرز فيه المجيد ومن له القدرة عن غيره. وكانت هناك مواقف عديدة تجمع الشعراء بغيرهم من أصحاب النفوذ أو من المخالطين لهم، فيخرج عن ذلك بعض الأبيات الشعرية.

 ومن تلك المواقف التي جعلت أبا تمام يجيد ويبدع في أشعاره، مع وقع بينه وبين خالد بن يزيد الشيباني، حيث كانت لهما مواقف جمعتهما، ودفعت أبا تمام لقول الشعر. ويروي لنا محمد بن يزيد النحوي، بعض من تلك المواقف فيقول: “خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد، فامتدحه فأمر له بعشرة آلاف درهم ونفقةٍ لسفره، وأمره ألا يقيم إن كان عازمًا على الخروج. فودعه ومضت أيام، فركب خالد ليتصيد، فرآه تحت شجرة “ومعه” غلام بيده طنبور، فقال: حبيب؟ قال: خادمك وعبدك، قال: ما فعل المال؟ فقال:

عَلَّمَني جُودُكَ السَّماحَ فَما أَبْ     قَيْتُ شَيْئًا لَدَىَّ مِنْ صِلَتِكْ

مَا مَرَّ شَهْرٌ حَتىَّ سمَحْتُ بهِ     كأنّ ليِ قُدْرَةً كَمَقْدُرَتكْ

تُنْقِقُ في اليَوْمِ بِالْهِبَاتِ وفي     السَّاعَةِ مَا تَجْتَبِيِه في سَنَتِكْ

فلستُ أَدْرِي مِنْ أَينَ تُنفِقُ لَوْ     لاَ أَنَّ رَبِّى يَمُدُّ في هِبَتِكْ

فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى فأخذها، وكان قوله: “علمني جودكَ السماحَ” من قول ابن الخياط المديني، وقد امتدح المهدي فأمر له بجائزةٍ ففرقها في دار المهدي وقال:

لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أبْتغِي الغِنَى     وَلَمْ أَدْرِ أَنّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدي

فَلاَ أَنَا مِنْهُ ما أَفادَ ذَوُو الغِنَى     أَفَدْتُ، وَأعْدَانِي فَبَدَّدْتُ ما عِنْدِي”.

وذلك الموقف يبين عطاء خالد بن يزيد لأبي تمام، وفي الوقت نفسه يدل على السليقة التي يتمتع بها أبو تمام، فكان لسانه سريعًا في قول الشعر عندما استدعته الحاجة لذلك، فهو قد امتدح خالد بين يزيد الشيباني أولاً، ولما خرج في طريق رحيله والتقى به خالد، كان السؤال المهم هنا عن العشرة آلاف دينار التي حصل عليها، فإذا بحنكته الشعرية يتخلص من الموقف بأبيات أكثر بهاء من سابقتها، قالها في الحال، فما كان من خالد بعد أن عرف من خلال شعره أنه أنفق المال كله ولم يبق من شيء، إلا أن منحه غيرها في الحال.

ومن المواقف الأخرى التي جمعت بين خالد بن يزيد الشيباني وأبي تمام، ما رواه وكيل للحسن بن سهل قال: “استنشد خالد بن يزيد أبا تمام قصيدته في الأفشين التي ذكر فيها المعتصم وأولها:

غَدَا المُلْكُ مَعْمُورَ الحَرَا وَالمْنَازِلِ     مُنَوَّرَ وَحْفِ الَّروْضِ عَذْبَ المَنَاهِلِ

فلما بلغ إلى قوله:

 تَسَربَلَ سِرْبالاً مِنَ الصَّبْرَ وارْتَدَي     عَليهِ بِعَضْبٍ في الكَريهِة قَاصِلِ

 وَقَدْ ظُلِّلَتْ عِقْبانُ أَعْلاَمِهِ ضُحىً     بِعِقْبَانِ طَيْرٍ في الدِّمَاءِ نَوَاهِلِ

  أَقَامَتْ مَعَ الرَّاياتِ حَتَّى كأَنَّهَا     مِنَ الجَيشِ إلاّ أَنَّهَا لَمْ تُقَاتِلِ

قال له خالد: كم أخذت بهذه القصيدة؟ قال: ما لم يروِ الغلة، ولم يسد الخلة. قال: فإني أثيبك عنها، قال: ولم ذاك، وأنا أبلغ الأمل بمدحك؟ قال: لأني آليت لا أسمع شعرًا حسنًا مدح به رجل فقصر عن الحق فيه إلا نبت عنه. قال: فإن كان شعرًا قبيحًا؟ قال: أنظر فإن كان أخذ شيئًا استرجعته منه!. وقد أحسن أبو تمام في هذا المعنى وزاد على الناس بقوله: “إلا أنها لم تقاتل” (الصولي- أخبار أبي تمام).

ويفهم من ذلك أن أبا تمام جاء بمعنى جديد، ولذا رأى خالد أن يكرمه وإن كان القول ليس في مدحه، ولكنه رآه شعرًا حسنًا. وهكذا كانت تلك المواقف وغيرها سبيلاً للشعراء لقول الشعر واكتساب بعض المال الذي تستقيم حياتهم به.