خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مواقف من حياة الأصمعي

ID 70726859 © Lexandr Lexandrovich | Dreamstime.com

كانت للأصمعي حيل كثيرة ومواقف فريدة، وكان من أكثر أبناء عصره تفننًا باللغة والكلمات، ولذا لم يستطع أن يتفوق عليه أحد، وكان دائم استعمال الألفاظ الغريبة، والتركيبات الجديدة التي لم يعتد الناس عليها. قال المبرد: “كان الأصمعي أسد الشعر والغريب والمعاني، وكان الأصمعي أعلم منه بالنحو، ويكنى بأبي بكر بن عبد الملك بن أصمع بن مطهر بن رياح بن عمرو بن عبد الله “. ومن المواقف التي تعرض لها وأثبت فيها حُسن لغته وفهمه وفطنته، أنه كان ذات يوم عند هارون الرشيد وكان الكسائي موجودًا، فقال الأصمعي للكسائي ما معنى قوال الراعي:

قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا… ودعا فلم أر مثله مخذولا

فقال الكسائي: كان مُحرمًا بالحج. فقال الأصمعي فقوله:

قتلوا كسرى بليلٍ محرما … فتولى لم يمتع بكفن

فهل كان مُحرمًا بالحج، فقال هارون للكسائي: يا عليّ إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي، قوله محرمًا كان في حرمة الإسلام. أي لا تتعرض للأصمعي في مجاله المفضل وهو الشعر، لأنه أدرى الناس به.

ومن مواقف الأصمعي الغريبة ما رواه أبو جعفر أحمد بن عبيد قال سمعت ابن الأعرابي يقول: “شهدت الأصمعي وقد أنشد نحوًا من مائتي بيت ما فيها بيت عرفناه. وكان الأصمعي صدوقًا في الحديث. وكان يخشى أن يتعرض إلى تفسير شيء من القرآن والحديث على طريق اللغة. فقد ذكر نصر بن عليّ قال: “حضرت الأصمعي وقد سأله سائل عن معنى قول النبي صلى الله عليه: “جاءكم أهل اليمن وهم أبخع أنفسًا”, فقال: يعني أقتل أنفسًا ثم أقبل نادمًا على نفسه من ذلك القول، ولام نفسه فقال: “ومن أخذني بهذا وما علمي به”. فقلت له: “لا عليك فقد حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيع عن مجاهد في قوله: “لعلك باخعٌ نفسك”، أي قاتل نفسك، فكأنه سُرِى عنه.

ومن مواقف الأصمعي التي لا تنسى حين دخل على الرشيد بعد مدة طويلة غابها الأصمعي عن الدخول عليه، فقال له الخليفة: “يا أصمعي كيف كنت بعدي؟ فقال: ما لاقتني بعدك أرضٌ”. فتبسم الرشيد فلما خرج الناس قال له: ما معنى قولك ما لاقتني أرض. قال: ما استقرت بي أرض كما يقال فلان لا يليق شيئًا أي لا يستقر معه شيء. فقال له: هذا حسن ولكن لا ينبغي أن تلكمني بين يدي الناس إلا بما أفهمه فإذا خلوت فعلمني، فإنه يقبح بالسلطان ألا يكون عالمًا إما أن أسكت فيعلم الناس أني لا أفهم إذا لم أجب وإما أن أجيب بغير الجواب فيعلم من حولي أني لم أفهم ما قلت. قال الأصمعي: فعلمني أكثر مما علمته”. أي أنه استفاد من الموقف أكثر من المعلومة التي نقلها للرشيد.

ويذكر أن الرشيد مازح أم جعفر فقال لها: “كيف أصبحت يا أم نهر؟”، فاغتمت لذلك ولم تدرِ ما معناه فذهبت إلى الأصمعي تسأله عن ذلك فقال لها: الجعفر النهر الصغير وإنما ذهب إلى هذا، فطابت نفسها بذلك.

ومن المواقف التي يرويها أبو العباس المبرد، أنه قال إن الأصمعي ذكر له أن أعرابيًا رآه وهو يكتب كل شيء يقال، فقال له: “ما تدع شيئًا إلا نمصته”. أي نتفته وكتبته. وقال له بعض الأعراب وقد رآه يكتب: “كل شيء ما أنت إلا الحفظة تكتب لفظ اللفظة”. وقال له آخر: “أنت حتف الكلمة الشرود”. وذلك لحرصه ألا يترك شيئًا دون أن يتعلمه ويكتبه.

أما وفاة الأصمعي فيقول عنها أبو العيناء: “توفي الأصمعي بالبصرة وأنا حاضر في سنة ثلاث عشرة ومائتين “213 ه”، وصلى عليه الفضل بن إسحاق. وسمعت عبد الرحمن ابن أخيه في جنازته يقول: إنا لله وإنا إليه من الراجعين. فقلت: ما عليه لو استرجع كما علمه الله. ويقال أيضًا إن الأصمعي مات في سنة سبع عشرة ومائتين أو سنة ست عشرة، ومن ثم فهناك خلاف في سنة وفاته ولكنها محصورة بين 213 إلى 217 هـ.