موقف الإسلام من نسبية الأخلاق

فلسفة 24 Rajab 1442 AH Contributor
نسبية الأخلاق
Photo by Masjid Pogung Dalangan on Unsplash

مسألة نسبية الأخلاق من أهم المسائل التي يتم بحثها في الجانب الأخلاقي. وكثيرًا ما يتم تناولها عند الحديث عن أسس الفكر المادي الحسي. ولا شك أن تلك المسألة من النقاط الرئيسة. التي تؤكد ضحالة الفكر المادي وابتعاده عن الوحي المعصوم الذي  يعد الأصل الوحيد لتنظيم حياة البشرية وإقامة أخلاق فاضلة.

مفهوم نسبية الأخلاق

يقصد بنسبية الأخلاق أن الأخلاق لا تخضع لمعايير معينة بل تختلف من مكان لمكان ومن زمان لزمان ومن شخص لشخص. فما يكون صوابًا في بعض المجتمعات قد يكون غير ذلك في مجتمعات أخرى، وما يراه البعض من مكارم الأخلاق لا يعدو كونه تصرفًا إنسانيًا بحتًا من وجهة نظر آخرين. وقد تكون بعض التصرفات المشينة التي تناقض مكارم الأخلاق طبيعية عند أناس آخرين في مجتمعات وأماكن مغايرة.

وبهذا يظهر أن مسألة نسبية الأخلاق من المسائل التي تهدم الفكرة الأخلاقية من أساسها، وقد نبعت هذه المسألة بالدرجة الأولى من الابتعاد عن الوحي واعتقاد الإنسان أن بإمكانه بناء أخلاقه الخاصة به. لكن الواقع يؤكد أن الإنسان لا يمكنه تأسيس نظام أخلاقي قويم بعيدًا عن تعاليم الوحي المعصوم. ببساطة لأن عقل الإنسان قاصر وما قد يراه أحدهم حسنًا قد يراه غيره قبيحًا بدليل أن القائلين بنسبية الأخلاق يختلفون فيما بينهم حول بعض القضايا. كما أنهم يختلفون حول المعيار الذي يمكن من خلاله إطلاق حكم على تصرف بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي.

إن الاعتماد على الأفكار والضمائر ومفاهيم الناس لا يمكن أن ينتج أخلاقًا يعتمد عليها في فعل الصواب والابتعاد عن الخطأ. وذلك يؤكد بشكل قاطع أن الإنسان عاجز عجزًا كاملًا عن وضع أسس أخلاقية يمكن الاعتماد عليها. وسنلاحظ أن أي فلسفة أخلاقية بعيدة عن الوحي المعصوم قد ضلت وانحرفت انحرافات لا يمكن التغاضي عنها.

موقف الإسلام من هذه المسألة

أما الإسلام فإنه ينظر إلى الأخلاق نظرة شمولية كاملة، فهو يميز السلوك الإنساني عن سائر أنواع السلوك الإنساني. ولذلك فإن الأخلاق في الإسلام لها معايير واضحة وغايات لا يمكن تجاهلها. ولتحرير هذه المسألة أضرب مثالًا بخلق الصدق، وهو من أهم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام من خلال نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح. ومعيار الصدق في الإسلام، لا يتغير فلا يمكن أن يكون الصدق شيئًا قبيحًا أو سيئًا. وسيظل الكذب من الأمور المرذولة المرفوضة التي يبغضها الإسلام وينهى الناس عن اقترافها. ولذلك فإن معايير الأخلاق ومنطلقاتها في الإسلام ثابتة لا تتغير.

إن ما سبق يؤكد أن الإسلام يرفض القول بنسبية الأخلاق ويعد ذلك من الأمور التي لا تتوافق مع الفطرة السليمة. لأن القول بتلك المسألة لا يضع معيارًا أخلاقيًا يمكن التحاكم إليه، ولذلك فإن الفكر المادي الغربي يعيش أزمة كبيرة في هذا الجانب. ومن وجهة نظري فإن الأزمة الحقيقية تكمن في تقديس الإنسان وجعله محور التشريعات والقوانين. أو بالأحرى إعطائه مساحة لا يمكن له أن يسدها بعقله القاصر. وقد رأينا الانحلال الخلقي والفساد المستشري في العالم الغربي المادي.

ويكفينا أن نجري إحصائية عن عدد حالات الاغتصاب مثلًا مع أن العلاقات الجنسية مباحة في تلك البلاد بدون قيود. كما يكفينا أن نجري إحصائيات عن حالات الانتحار في تلك البلاد. وكثير من الأمثلة التي تؤكد بشكل قاطع فشل النموذج الغربي الأخلاقي في الارتقاء بالإنسان وجعله كائنًا سويًا. ذلك أن هذا النموذج قد هوى بالإنسان إلى دركات الحيوانية والبهيمية التي لا يمكن أن تؤهله لتحقيق الاستخلاف وعبادة الله تعالى وهما الغايتان اللتان خلق الله الناس من أجلهما.

 

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية والتاريخية