خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

ميل النفس والعشق

© Dmitry Ersler - Dreamstime.com

أراد الشاب أن يتزود من حكمة الشيخ الحكيم وتجاربه فأخذ يسأله عن بعض الأسئلة في الميل والعشق وحكم ذلك. وذلك كالتالي:

الشاب: ماحكم ميل النفس إلى الأشواق؟ أرجو التفصيل في ذلك؟

الحكيم: يُقسِّمابنُ القيمفي كتابه: “الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، العشقَ إلى ثلاثة أقسام، وهي كما يلي؛ القسم الأول: وهو طاعة لله وتقربًا إليه سبحانه، وهو الناشئ من الزواج فإنه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، وأغضّ للبصر، وأهنأ للقلب من التطلع لغير الأهل. والقسم الثاني: وهو عشقٌ ممقوت عند الله، مبعدٌ لرحمته سبحانه، وهو أضرّ شيء على العبد في دينه، ودنياه، وهو عشق قوم لوطعشق الذكور وإتيانهمفما يبتلى به إلا من سقط من عين الله، فطرَدَه من بابه وأبعد قلبه عنه، وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله، كما قال بعض السلف: “إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه بمحبة المردان“.

وأما القسم الثالث: فهو عشقٌ لا يملك الإنسان سببه، مثل أن ينظر إلى امرأة من غير قصدٍ منه، ومن ثَمّ فعليه بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اصرف بصرك” (رواه مسلم)، وقال أيضًا: “لك الأولى، وليست لك الثانية” (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع)، والواجب عليه أن يكتم ويعف ويصبر على البلاء؛ ليثبته الله ويعوضه أجرًا عظيمًا ونورًا يجده في قلبه على صبره، وعفته، وتركه طاعة هواه من أجل مرضاة الله تعالى.

وإن الاسترسال في العشق المحرم، مرضٌ يعتري النفوس العاطلة، والقلوب الفارغة المتشوقة للصور، وما عشق أحد إلا كان فارغ القلب من تعظيم الخالق، غافلاً عن عظيم الحقائق.

الشاب: ما الحكمة من وجود هذه النوازع في نفْس الشاب، وخصوصًا أنها تبدأ مع بداية علامات البلوغ؟

الحكيم: نعم، وفي تلك اللحظة، يكون الإنسان قد دخل مرحلةَ التكليف بالأوامر والنواهي،  وليس هناك تعارض في ذلك، بل الإنسان منذ ذلك الزمن مهيّأ لتحمل الحكمة العظيمة، ممثلة في الأمانةحرية الاختيار؛ اختيار طريق الخير، أو اختيار طريق الشر، إنه الآن قد تخطى مرحلة عدم التمييز، ودخل إلى مرحلة البلوغ، والإدراك، والتكليف؛ إنها الآن يقف على عتبة الكمال الرجولي، ويطرق باب الفحولة والتمييز، وغدا مسؤولاً عما يَصْدُر عنه من خير أو شر.

الشاب: ما الأمانة في اختيار طريق الخير أو الشر؟

الحكيم: عندما وصل الإنسان إلى هذا السنسن إدراك حقيقة الخير وعواقبه، ومعنى الحسنة وآثارها، وإدراك الشر ونتائجه، والسيئة وآثارهافإنه أصبح يملك قدراتٍ فكريةً، ونفسية تجعله مسؤولاً، ومخولاً للقيام بأعباء الأوامر  واجتناب النواهي، وتحمّل الإخلال بشيء من ذلك.

الشاب: حينما تثور في نفس الشاب دوافعُ قوية للشهوة، هل يُعذر أو يسامح على انحرافه من أجل ذلك السبب؟

الحكيم: كلا، هذا مخطئ في ثلاثة أمور: أولاً: أنه يعدّ سببًا في ذلك، لإطاعته هواه، أو كما يقول الشاعر:

والنّفسُ راغبةٌ إذا رغبتها           وإذا تردُّ إلى قليل تَقْنَعُ

وثانيًا: أنه لم يؤمن بثوب الصبر عن المعاصي ومجاهدة النفس لداعي الهوى والشيطان. وثالثًا: نسي أو تناسى العقوبة التي تنتظر المفرطين والمتمدين في الانحراف.

لا ينبغي يا بني أن نلتمس الحجة في خطأ الغير، فكل إنسان مسؤول عن عمله وعاقبة أمره، وإنما عليك نفسك، فألزمها هداها، واجتهد واصبر وصابر، فإنك مجزي بما تفعل، إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فشر. واعلم أن الناس ليسوا على قدر واحد حينما يتعرضون إلى الفتنة، ولتكن أمامك دائمًا قصة سيدنا يوسف مع امرأة العزيز وكيف استطاع أن ينجو من الوقوع في الشَرك. فتبين أمرك يا بني.