خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مَلكة الحفظ هل هي دليل على التفوق الدراسي؟

إذا أردت التقدم في العلم وحيازة أصوله فإن ذلك لا يتأتى إلا بإتقان الحفظ والفهم واستحضار المعلومة متى أردتها، فكل شيء نحتاجه ويكون ضروريًا وأساسًا من أساسيات العلم، لا بد أن يحفظ ويفهم جيدًا، ثم نستزيد من القراءات حول تلك الأمور بما يخدم المادة التي نحملها في أذهاننا. ولذا كان للحفظ فوائد عديدة نذكر منها: أولاً: بقاء المعلومات في الذهن واستحضارها بكل يسر وسهولة بعد ذلك. وثانيًا: الاستفادة من الوقت في زيادة التحصيل وإضافة ذلك إلى المحفوظ. وثالثًا: تظهر فائدة الحفظ ومنفعته في حالات منها: فقد الكتاب، فقد الإضاءة ليلاً، فقد البصر. ورابعًا: إن الحافظ يقدم على غيره، وتظهر ميزته بين أهل العلم أنفسهم.

وقد تحدث العلماء عن مَلكة الحفظ واعتبروها أساسًا للدراسة وتحصيل العلوم، وهي موضع تفاخر ودليل على النجابة والعقل، وإذا لم يحفظ الطالب الأمور الأساسية التي يستقيم بها منهجه، فكيف يفهم بعد ذلك تلك الأمور أو يشرحها لأحد من الناس.

وهناك أسباب يستعان بها على الحفظ، ومن أهمها: أن يقصد الطالب ذلك الحفظ ابتغاء وجه الله تعالى ونصحًا للمسلمين في إيضاح المسائل وتبيين الشرائع، أو إظهار أي علم كان نافعًا للناس وإفادتهم فيه. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: “إنما يحفظ الرجل على قدر نيته”، ولذا كانت النية وإخلاصها من الأمور المهمة والضرورية المعينة على الحفظ. ومما يساعد على الحفظ ترك المعاصي والذنوب، قال محمد بن النضر: “سمعت يحيى بن يحيى يقول: سأل رجلٌ مالك بن أنس قال: “يا أبا عبد الله، هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ قال: إن كان يصلح له شيء فترك المعاصي”. وقال بشر بن الحارث: “إذا أردت أن تلقن العلم فلا تعصِ”. وقال عليّ بن خشرم: “سألت وكيعًا، قلت: يا أبا سفيان تعلم شيئًا للحفظ؟ قال: أراك وافدًا، ثم قال: ترك المعاصي عون على الحفظ”. وينسب إلى الشافعي أنه قال: “شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصٍ”.

ومن الأمور المعينة على الحفظ ومساعدة له، الصدق في اللجوء إلى الله سبحانه ومراعاة حدوده، وتطييب الكسب وتقليل الطعام، والجد والمواظبة، قال بعض الناس: “ومن طلب العلا سهر الليالي”.

وقد حثّ العلماء الدارسين على إتقان الحفظ لكونه بداية طريق العلم والتميز، وهو في ذلك لا يلغي الفهم، ولكن الحفظ يأتي أولاً ثم يعقبه الفهم، وقد وصل ببعض العلماء إلى كراهية كتابة العلم مخافة إهمال حفظه في الصدور، قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في جامع بيان العلم وفضله: “من كره كتابة العلم إنما كرهه لوجهين، أحدهما: ألا يُتخذ مع القرآن كتابٌ يضاهي به، ولئلا يتكل الكاتب على ما كتب فلا يحفظ فيقلّ الحفظ، كما قال الخليل رحمه الله: “ما العلم إلا ما حواه الصدر ليس بعلم ما حوى القمطر”. وقال أعرابي: حرف في تامورك “أي تحفظه في علقة القلب”، خير من عشرة في كتبك.

ومما يروى من الأقوال عند أهل العلم في فضل الحفظ ما يُنسب إلى يونس بن حبيب، حيث قال إنه سمع رجلاً ينشد: “وبئس مستودع العلم القراطيس استودع العلم قرطاسًا فضيعه”، ومما ينسب إلى منصور الفقيه من قوله: “علمي معي حيثما يَمَمت “أي سرت” أحمله، بطني وعاء له لا بطن صندوق، إن كنت في البيت كان العلم فيه معي، أو كنت في السوق كان العلم في السوق”. وقال عبد الرزاق: “كل علم لا يدخل مع صاحبه الحمام فلا تعده علمًا”. وقال عبيد الله بن أحمد الصيرفي: “ما العلم إلا ما حواه الصدر”. إلى غير ذلك من أقوال كثيرة كلها تدل على شرف الحفظ وامتلاك العلم في الصدر واتخاذه مسلكًا لحفظ العلم، فمن أراد الوصول إلى أعلى المراتب العلمية فعليه امتلاك تلك المَلكة وتنميتها باستمرار.