خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مَنْ صيّره العشقُ مجنونًا

ID 178561649 © Sirirak Kaewgorn | Dreamstime.com

وردت قصص كثيرة تدل على أن العشق الزائد عن الحد والخارج عن المألوف، قد أحال الكثير من الناس إلى مجانين يلهثون في الأسواق ويقفون في الطرقات، يفعلون أعجب الأفعال، فتناول الناس ذكرهم وكثرت أخبارهم. ونقف هنا على بعض تلك القصص والروايات التي ذُكرت في الكتب والمراجع القديمة على وجه الخصوص. والعبرة من تلك القصص أن نعي أن الشيء الذي يزيد عن حده إنما ينقلب إلى ضده، وأن لا إفراط ولا تفريط، كما أن تلك الحكايات تكون للتسلية وإدخال السرور على النفس.

وأول قصة نبدأ بها هي قصة علويّة المجنون، قال الحسن بن رفاعة: “رأيت علويّة المجنون يومًا وفي عنقه حبلٌ والصّبيان يجرّونه، فلمّا رآني قال: يا أبا عليٍّ بماذا يعذّب الله أهل الجّرائم يوم القيامة؟ قلت: بأشدّ العذاب. قال: فأنا، والله، في أشدّ من عذابه. لو عذّب الله أهل جهنّم بالحبّ والهجر والرّقباء لكان أشدّ عليهم، ثمّ قال:

انظر إلى ما صنع الحبّ .. لم يبق لي جسمٌ ولا قلب

أنحل جسمي حبّ من لم يزل … من شأنه الهجران والعتب

ما كان أغناني عن حبّ من … من دونه الأستار والحجب

قال: وحضرته وقد أتوه بطبيبٍ يعالجه، والطّبيب يعاتبه ويقول له: لو تركتني لعالجتك ورجوت أن تبرأ”. (أخبار النساء، ابن الجوزي)، والمقصد من القصة أن علويّة قد أصيب بالعشق الشديد، حتى أوصله للجنون، وأصبح لا يشعر بجسمه وقلبه، وقد بدأ يسأل عن عذاب أهل النار، ومدى كون هذا العذاب أقل من عذاب العشق والفراق، وهذا من باب المبالغة في الشيء.

ومما ورد أيضًا في هذا الباب خبر فورك الذي صيره العشق مجنونًا، وقد وصل إلى درجة من الولع جعلت أهله يظنون به مرضًا وضعفًا شديدًا، وبدؤوا يبحثون له عن طبيب يداوي مرضه. يقول بعض المعاصرين لفورك: “مررت بفورك المجنون وقد أتاه أهله بطبيبٍ، يقال له عبد العزيز، ليعالجه. فسملت وقلت: ما خبرك يا أبا محمّد؟ فقال: خبري والله مع هؤلاء المجانين ظريفٌ. أنا عاشقٌ وهم يظنّون بي جنّة وقد أتوني بهذا الطّبيب ليعالجني. ثمّ أنشأ يقول:

أتوني بالطّبيب فعالجوني … على أن قيل مجنونٌ غريب

       طبيب الأجر فيه عساه يومًا … من الأيّام يعقل أو يتوب

     وما صدقوا الفتى محوي قلبي … أجلّ من أن يعالجه الطّبيب

وما بي جنّةٌ لكنّ قلبي … به داءٌ تموت به القلوب

وما عبد العزيز طبيب قلبي … ولكنّ الطبيب هو الحبيب”.

لقد وصل فورك إلى درجة من العشق الذي يصعب علاجه أو فهمه، ولذا أصبح يعالج من الجنون دون أن تكون به جِنةً، أو أن يكون عاشقًا يصيره العشق مجنونًا وهذا هو الراجح من الخبر السابق. وعلى ذات المنوال نجد خبرًا آخر عن عاشق صيره العشق إلى الجنون، إنه رجل يدعى أبا عبد الله وقد قال عنه البعض: “مررت بمجنونٍ بيده قصبةٌ وفيها عذبةٌ، وهو يقول:

إذا ما رايةٌ رفعت بنجدٍ … تلقّاها عرابة باليمين

وقد قام بعض المارة بسؤاله عما يجد فأنشد أبو عبد الله قائلاً ومعبرًا عن حالته وما يجده من أسى ولوعة:

“أصبحت منك على شفا جرفٍ … متعرّضًا لموارد التّلف

وأراك نحوي غير ما ثقةٍ … متحرّفًا من غير منحرف

يا من أطال بصدّه أسفي … كلفي عليك أشدّ من أسفي”.

ويحكى أن فورك المجنون كان ذات يوم في جماعة من الناس، وقد غلبه العشق والتيه حتى أضحى في حالة غريبة، وقد اجتاز الجميع وهو يركب قصبة يظنها حصانًا، وأخذ ينادي ويقول: “مَنْ كان عاشقًا منكم فيقف في الميمنة، ومن كان معشوقًا فليقف في الميسرة. ووقف هو في القلب”. أي وقف لا يدري أين موضعه بينهما، وهكذا يفعل العشق ببعض الناس إذ زاد عن الحد أو أخذ مسلكًا غير مأمون فدفعهم إلى الجنون.