خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

نَبِيُّ الرحمة والإنسانية

نبي الرحمة ليس إطلاقًا مجازيًا بل واقعيًا صادقًا إلى أبعد حد، لقد أرسل الله تعالى نبيه بالهدى إلى العالمين كافة بشيرًا ونذيرًا، ولما كان صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء والمرسلين، فإنه بذلك غدا نبي الإنسانية جمعاء إلى قيامة الساعة، وقد بعثه الله تعالى رحمةً للمؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين”. (سورة الأنبياء: 107)

الجوانب الإنسانية في سيرة نبي الرحمة

ونستعرض فيما يلي بعض الجوانب الإنسانية من حياته صلى الله عليه وسلم، لندرك مقدار المحبة والرحمة والإنسانية التي حملها في قلبه الشريف لأمته وأصحابه والعالم كافة.

ضرب النبي محمد صلى الله عليه وسلم المثل والقدوة لأصحابه ولمن يأتون من بعده في الرحمة والإنسانية والشعور بالآخرين واحترامهم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحنو على الأطفال ويُسلِّم عليهم، وكان يُدخل السرور على أهله، فيُسابِق زوجته، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: “خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا خفيفة اللحم فنـزلنا منزلاً، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال لي: تعالي حتى أسابقكِ، فسابقني فسبقته، ثم خرجت معه في سفر آخر، وقد حملت اللحم، فنـزلنا منـزلاً، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال لي: تعالي أسابقكِ، فسابقني فسبقني، فضرب بيده كتفي وقال: هذه بتلك (حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود والنسائي).

إجابته للدعوة

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجيب الدعوة ولو كانت على يسير من الطعام أو الشراب، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ له, فَأَكَلَ مِنْهُ, ثُمَّ قَالَ: “قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ”. قَالَ أَنَسٌ: “فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ, فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ, فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ, وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا. فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ انْصَرَفَ” (متفق عليه، البخاري ومسلم).

وكان صلى الله عليه وسلم يُجيب الدعوة ولو كانت من رجل فقير، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إن خياطًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه. قال أنس: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزًا ومرقًا فيه دباء وقديد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة” (البخاري ومسلم).

بل إن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم كان يُجيب الدعوة ولو كانت من يهودي أو يهودية، فقد أجاب صلى الله عليه وسلم دعوة امرأة يهودية حينما دعته إلى الطعام، فقد روى أنس بن مالك: “أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلِّطك على ذاك”. (البخاري ومسلم)، وحول هذا المعنى قال في موضع آخر: “لو دُعيت إلى ذراع أو كراع لأجبتُ، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقَبِلْتُ” (رواه البخاري).

تواضع نبي الرحمة

ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان ينام على الحصير حتى أثر ذلك في جنبه الشريف، فعن عمر رضي الله عنه قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدَم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظًا مصبوبًا، وعند رأسه أُهُب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله! فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ (رواه البخاري ومسلم).

والمواقف عديدة وكثيرة، ومن إنسانيته ورحمته صلى الله عليه وسلم أنه كان يعطي الضعيف وأصحاب الحاجات، وكان رحيمًا بالناس، ويكفي أنه عندما فتح مكة بعد أن أُذي فيها وعُذب، قال لأهلها من أعدائه وأشد الناس خصومة له: اذهبوا فأنتم الطلقاء”. وظل صلى الله عليه وسلم يفكر في أمته وينصحهم ويدعو لهم، حتى إذا كان يوم القيامة فإنه يكون شفيعًا للناس عند ربهم رحمة بهم.