خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

نصيحةٌ كادت تُورِد صاحبها المهالك

ID 153886187 © Carabiner | Dreamstime.com

في بعض الأوقات يقول بعضنا نصيحة فلا يدري إن كانت تجد أثرًا في نفس السامع أم لا، وأحيانًا تكون النصيحة صادقة لكنها تكون في موضع الخطر، فلا يسلم المرء على نفسه أو أهله من شرها، وربما لاحقت النصيحة صاحبها بالضرر فجعلته يعاني الأمرين دون أن يجد بدًّا عن الأذى والتنكيل. وهذا بالضبط الذي حدث مع خالد بن صفوان حينما دخل على أبي عباس السفاح الخليفة الأول في الدولة العباسية، فكيف كان ذلك؟ هذا ما نتعرف إليه في السطور التالية، فهيا بنا.

ذكر بن الجوزي في كتابه الأذكياء أن خالد بن صفوان قد دخل يومًا على أبي العباس السفاح وليس عنده أحد من الناس، فقال: “يا أمير المؤمنين إني والله ما زلت منذ قلدك الله خلافته أطلب أن أصير معك بمثل هذا الموقف في الخلوة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإمساك الباب فعل حتى نفرغ”. والمعنى أنه طلب من الخليفة أن يجعله معه في وحدته فلا يكون معهما أحد، وهذا يعني أنه يريد منه شيئًا لا يريد لأحد أن يطلع عليه.

ولكي يجيب الخليفة طلبه، فقد أمر الحاجب بإغلاق الباب عليهما، فقال له خالد بن صفوان مقدمًا النصيحة: “يا أمير المؤمنين، إني فكرت في أمرك واستجلبت الفكر فيك، فلم أرَ أحدًا له قدرة واتساع في الاستمتاع بالنساء ولا أضيق فيهن عيشًا منك”. يقصد أنه منصرف عما أحله الله له من النساء. ثم أكمل كلامه فقال: “إنك ملكت نفسك امرأة من نساء العالمين فاقتصرت عليها، فإن مرضت مرضت وإن غابت غبت، وإن عزلت عزلت وحرمت، يا أمير المؤمنين، على نفسك التلذذ بما يشتهى منهن، فإن منهن الطويلة التي تشتهى لحسنها، والبيضاء التي تحب لرؤيتها، والسمراء اللعساء، والصفراء الذهبية، ومولدات المدينة والطائف واليمامة ذوات الألسنة العذب والجواب الحاضر، وبنات سائر الملوك وما يشتهى من نضارتهن ونظافتهن”.

وقد ظل خالد يصف للخليفة صنوفًا من النساء ويشوقه إليهن، لأنه وجده يقتصر على امرأة واحدة دون أن يعدد في الزوجات، فلما انتهى من كلامه قال له الخليفة: “ويحك ملأت مسامعي، ما شغل خاطري والله ما سلك مسامعي كلام أحسن من هذا فأعد عليّ كلامك فقد وقع مني موقعًا. فأعاد عليه خالد كلامه بأحسن مما ابتدأ به. ثم قال له: انصرف! فانصرف وبقي أبو العباس مفكرًا ومهمومًا. فدخلت عليه أم سلمة زوجته، وكان قد حلف لها أنه لا يتزوج عليها جارية أو امرأة. فلما رأته على تلك الحالة قالت له: إني لأنكرك يا أمير المؤمنين، فهل حدث شيء تكرهه أو أتاك خبر ارتعت له؟ فقال: لا. فلم تزل به حتى أخبرها بما قاله خالد فقالت له: وما قلت لابن الفاعلة؟”. والمعنى أنه شتمت خالد بما فعل، فقال لها: أينصحني وتشتميه؟

وهنا استشاطت زوجة الخليفة غضبًا وخرجت إلى مواليها وأمرتهم بضرب خالد”. وقد كان خالد مسرورًا بما قاله لأمير المؤمنين، لكن فرحته لم تدم طويلاً، فقد وصل موالي زوجة الخليفة وخدمها إليه فقاموا بضربه وإهانته إلى أن دخل داره مستخفيًا منهم، وظل هناك أيامًا، إلى أن جاءهم فوج من الناس يطلبون منه المثول بين يدي الخليفة، فأدرك أن الموت قد جاءه فقال: “إنا لله وإنا إليه راجعون، لم أر دم شيخ أضيع من دمي. فركبت إلى دار أمير المؤمنين فأصبته جالسًا ولحظت في المجلس بيتاً عليه ستور رقاق وسمعت حسًا خفيفًا خلف الستر فأجلسني. ثم قال: يا خالد أنت وصفت لأمير المؤمنين صفة فأعدها”. يقصد أنه قد جاء بالحسناء التي تحدث عنها من قبل خالد وشجع عليها.

ولما كان خالد قد عرف أن المسألة أصبحت حياة أو موتًا وأن نصيحته قد جلبت له الهلاك، فإنه أخذ التراجع، فقال: “نعم يا أمير المؤمنين، أعلمتك أن العرب ما اشتقت اسم الضرتين إلا من الضر وإن أحدًا لم يكثر من النساء أكثر من واحدة إلا كان في ضر وتنغيص”. وظل يكدر صفو الخليفة ويغير ويبدل في حديثه، حتى جاءه صوت من وراء الستر يقول له: صدقت. فعلم أنها زوجة الخليفة، فزاد وقال: وعند ريحانة قريش وتطمع عينيك بالنظر إلى النساء والجواري. فصرفه الخليفة بعد أن وبخه، ولما استقر في منزله وصلته الهدايا وعشرة آلاف درهم من زوجة الخليفة.