نظرة على مقاييس الجمال لدى العرب قديمًا

ID 153453915 © Jakub Zajic | Dreamstime.com

كانت للعرب منذ القدم أوصافهم ومعاييرهم التي حكموا على جمال المرأة من خلالها، فكانوا يحددون الشكل الأمثل الذي يعتبرونه معيارًا للجمال، والناظر إلى تلك الأوصاف والمعايير سيجدها متضاربة إلى حدٍّ كبير، فبعضهم يرى الجمال في الطول الفارع، وبعضهم في الاعتدال أو التوسط بين الطول والقصر، وبعضهم فضّل المرأة الممتلئة، وآخرون يفضلون المرأة المتوسطة بين الامتلاء والنحافة. وكل ذلك إنما عبر عن اختلاف الذائقة الجمالية بين العرب قديمًا، غير أن هناك سمة وهيئة للمرأة تحدثوا عنها كثيرًا، ألا وهي المرأة المجدولة، أي المرأة ممشوقة القوام، فلا هي بسمينة ولا نحيفة، أي يخلو جسدها من الزوائد والضخامة، وفي الوقت ذاته يكون جسدها أنثويًا ممشوقًا، ولعل هذا الوصف للعرب منذ القدم يتواكب مع النظريات الحديثة اليوم في مجال جمال المرأة.

يقول ابن الجوزي عن المرأة المجدولة وسبب تفضيل العرب لها: “وأكثر البصراء بجواهر النّساء الذين هم جهابذة هذا الأمر يقدّمون المجدولة، فهي تكون في منزلةٍ بين السّمينة والممشوقة مع جودة القدّ وحسن الخرط، ولا بدّ أن تكون كاسية العظام. وإنّما يردون بقولهم مجدولةً جدولة العصب وقلّة الاسترخاء، وأن تكون سليمةً من الزّوائد والفضول، لذلك قالوا خمصانةً وسيفانةً، وكأنّها جدل عنانٍ وغصن بانٍ وقضيب خيزران. والتّثنّي من مشية المرأة أحسن ما فيها، ولا يمكن ذلك للضخمة والسّمينة. ووصفوا المجدولة فقالوا: أعلاها قضيبٌ، وأسفلها كثيبٌ”. (أخبار النساء)

والمعنى أن المرأة المجدولة تفضل على ما سواها نظرًا لأن قوامها يخلو من الزوائد التي تطمس أنوثتها وتجعلها تبدو ضخمة سمينة، فلا يكون لها حسن القد وجمال الخرط مثل الغصن أو القضيب في تماسك جسدها. وقد تحدث الشعراء عن تلك الصفة في النساء فأبدعوا فيم قالوا، وقصدوا المرأة المجدولة دون سواها بالمدح والثناء، يقول الشاعر:

ومجدولةٍ جدل العنان إذا مشت … تنوء بخصريها ثقال الرّوادف

وقال شاعر آخر:

ومجدولةٌ، أمّا مجال وشاحها … فغضٌّ، وأمّا ردفها فكثيب

لها القمر السّاري نصيبٌ، وإنّها … لتطلع أحيانًا له فيغيب.

وأحسن الشاعر أبو نواس في الوصف حين قال:

أحللت من قلبي هواك محلّةً … ما حلّها المشروب والمأكول.

بكمال صورتك التي في مثلها … يتحيّر التّشبيه والتّمثيل.

فوق القصيرة، والطّويلة فوقها … دون السّمين، ودونها المهزول.

وعلى ذات المنوال قال الأعشى:

غرّاء فرعاء مصقولٌ عوارضها … تمشي الهوينا كما يمشي الوحى الوجل

كأنّ مشيتها من بيت جاريتها … مرّ السّحابة لا ريثٌ ولا عجل

وقال الأحوص في موضع آخر:

من المدمجات اللّحم جدلاً كأنّها … عنانٌ ضاع أنعمت أن تجوّدا

وكل أوصاف الشعراء السابقة تفضل المرأة المجدولة عما سواها، ويدل هذا التفضل في أكثر من موضع على اتفاق كبير من العرب والشعراء على أن الجسد الممشوق للمرأة هو الأكثر سحرًا وجمالاً، ولذا استجنوا بعض مَن بحث عن سمات الضخامة والسمنة في المرأة. وعامة فإن الشكل المثالي لا يعني أن يتم اختزاله في هيئة ثابتة ومحددة، فالبشر متفاوتون في كل شيء من حولهم، ولا يوجد اتفاق حاسم في هذا الأمر، أو في غيره، بعض الرجال فيضلون أن تكون المرأة طويلة وممشوقة القوام، وبعضهم فيضل القصيرة ممشوقة القوام، وبعضهم يفضل الطويلة الممتلئة، وبعضهم المتوسطة الطول الممشوقة، ومن ثم كان الاختلاف بين الناس في تفضيل بعض سمات النساء الجمالية والشكلية، أمرًا واردًا. وإن ما نفرد له حديثًا هنا، إنما يأتي ضمن كلام العرب في تفضيل سمة معينة على ما سواها ليس إلا.

وفي الجملة فإن المرأة في عصرنا الحاضر تسعى من خلال الغذاء الصحي والقيام ببعض التمرينات الرياضية، لكي تكون امرأة مجدولة خالية من الزوائد، مما يدل على أن الإحساس بمعايير الجمال تعد شبه ثابتة قديمًا وحديثًا، وأن الإنسان مهما تقدم لا يزال ينظر إلى الأمر بذات النظرة الجمالية.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!