خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

هارون الرشيد يحدث الغمام في السماء

ID 148149921 © Lana Yakunina | Dreamstime.com

امتدت الدولة الإسلامية في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد امتدادًا واسعًا، حتى قيل إنه حكم نصف الأرض قاطبةً، ونظرًا لهذا الاتساع الهائل فإنه كان يطيل النظر في السماء وينظر في الغمام، لأنهم مهما تأخر مطره فسيمطر في بلاد الإسلام، وبذلك فإن خراجه لا بد آت يومًا ما إليه. وهارون الرشيد هو أبو جعفر هارون بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، وهو الخليفة الخامس في الدولة العباسية، ولد في 149 هـ، وتوفي في طوس من عام 193 هـ، بويع خليفة للمسلمين في علم 170 هـ، وكان في ذلك الوقت ابن 22 سنة لا غير.

يقف هارون الرشيد بين حين وآخر ليرى السماء وهي محملة بالغمام، فيبتسم في شجو ويقول لها: “يا أيتها الغمامة أمطري حيث شئتِ، فإن خراجكِ لي”. لقد اتسعت الدولة الإسلامية في عهده بصورة كبيرة، ورغم حملات التشوية التاريخية التي مورست ضد تلك الشخصية، فإنه يعد من أكثر الشخصيات التي نهضت بالدولة وأعطت للخلافة هيبتها في نظر أعدائها، لقد كان يحج عامًا ويغزو عامًا، ويوزع ألف دينار على أصحاب الحاجات مع كل يوم، ولكن للأسف تم تشويهه بشكل متعمد، فلم يعد يتبقى منه سوى شخص يسعى خلف ملذاته وشهواته، يجالس النساء والمغنيات وأصحاب اللهو، ولو فكرنا قليلاً في أمر دولته الكبيرة لهان الأمر، إذ كيف يحكم خليفة دولة بهذا الاتساع ويظل يدافع عنها طوال تلك السنوات ثم يكون بتلك الشخصية، من أين يجد وقتًا لكل هذا اللعب، كيف يحج ويفعل ذلك، كيف يغزو وهو مقيم على الأهواء ويسعى خلفها، كلا، هذا لا يستقيم أبدًا، لقد كان رجلاً من الطراز الفريد.

استطاع هارون الرشيد وهو شاب يافع في الخامسة عشرة من عمره أن يحقق نصرًا عسكريًا على الروم، فقد عينه أبوه المهدي قائدًا في الجيش بين الكثير من القواد الآخرين، فخرج إلى الروم في عام 163 هـ، وتوغل بقواته إلى أرض الروم، وقام بمحاصرة قلعة هناك تدعى “سمالوا” مدة ثمانية وثلاثين يومًا، وقد أظهر قدرة عسكرية متميزة، وتخطيطًا سديدًا، وقد فتح القلعة في النهاية وعاد مع الجيش سالمًا محملاً بالغنائم، وقد استقبله أهل بغداد أحسن استقبال، وقد كافأه أبوه الخليفة بأن ولاه بلاد أرمينية وأذربيجان.

بعد أن تولى الرشيد الخلافة قام ببعض الأعمال الحسنة، فأنشأ بيت الحكمة في بغداد وجعل فيها من الكتب الكثير، وخصها بعنايته، فكانت موئلاً للعلم والعلماء وجعل فيها النساخين والمترجمين. كما أنه أصدر عفوًا عامًّا عن كل الهاربين والمتخفين فيما عدا بعض الزنادقة، واستخدم مدينة الرقة باعتبارها عاصمة بديلة له بجوار بغداد، تم في عهد ترجمة أول كتاب إلى اللغة العربية، وهو كتاب: “كتاب الأصول “الأركان” في الهندسة والعدد لإقليدس”، وكان هذا بداية الغيث الذي توالى بعد ذلك. وقد شهدت العلوم في عهده رواجًا وتطورًا خاصة في الفيزياء والفلك.

في عهده تم إنشاء أول مصنع للورق، وذلك في عام 795 م، وقد أصبح ذلك بداية لإنشاء سوق الوراقين بعد ذلك بما ضمه من حوانيت، وكان ورق بغداد في ذلك الوقت مقدر في كل مكان. انصب اهتمام هارون على الكثير من الإصلاحات الداخلية، مثل: بناء المساجد العامرة والواسعة، إنشاء القصور الكبيرة، وقد تم استعمال القناديل لأول مرة في عهده لإنارة المساجد والشوارع. وقد اعتنى بالزراعة وأنشئ الجسور وأقام القناطر وحفر الجداول والترع، وأسس لذلك ديوانًا خاصًا للقيام بتلك الأمور الإصلاحية. شيد مدينة الواقفة قرب الرقة لتكون موطنًا لحكمه في الصيف، وساعد على إتمام عمليات التبادل التجاري بين الولايات، وقدم الحراسة وتأمين الطرقات، وأنشأ مستشفى في بغداد جعل على إدارتها كل من يوحنا بن ماسويه وجبريل بن بختيشوع.

بعد كل ذلك كان من حق الرشيد أن يقف وينظر إلى السماء ويناجي الغمام بأن يمطر حيث شاء، لأنه يعلم أن خراجه حتمًا سيصل إليه في النهاية.