خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

هلا تبسمتَ من فضلك!

Eid
ID 148028299 © Odua | Dreamstime.com

يظن خلق كثير من الناس أن الحياة مبنية على الجد والعمل والحزن والكآبة، وليس هنا من فرصة للضحك أو الفرح، وهم بالطبع لم يفهموا واقع الحياة وأصل الدين، فالبسمة في وجه أخيك صدقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن الحالة النفسية الجيدة تعين الإنسان على تأدية عمل الدنيا والدين معًا، وتفتح له أبواب الخير، وتأنس به القلوب من حوله.

وقد ورد عن حنظلة الكاتب أنه ذكر حين كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، يصف الجنة والنار، فكأنهم يرونها بأعينهم، ولكنه عندما خرج من عند الرسول صلى الله عليه وسلم ولقي أهله أحسّ بفارق كبير بين الحالة الأولى وهو يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والحالة الثانية وهو يضحك بين أهله، وقد وقع ذلك في نفسه ورأى تقلب الحال، فأراد أن يسأل عن ذلك، وعندما لقي أبا بكر الصديق قال له قائلاً: “إني قد نافقت، قال: وما ذاك؟ قلت: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الجنة والنار فكنا كأن رأينا رأي عين، فأتيت أهلي فضحكت معهم. فقال أبو بكر: إنا لنفعل ذلك. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: “يا حنظلة لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطريق، يا حنظلة ساعة وساعة“.

ويفهم من تلك القصة وهذا الحديث، أن الإنسان لا بد أن يراوح بين الأمرين معًا، فلا يركن إلى الهزل واللعب ويترك الشغل والعمل، فيصاب القلب في مقتل، ولا يجد ما يجعله يستشعر المعصية أو فداحة الأمور، كما أنه لا يجب أن يقوم بالعمل في كل وقته، ويتحدث بجد وينظر إلى كل أموره بصرامة، ولكن يجب أن يجدد نشاطه فيضحك ويتبسم ثم في الوقت عينه يتدبر ويتأمل ويعمل، وهنا يعتدل الميزان، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ساعة وساعة“.

كما أن ترويح القلوب يعد أمرًا مطلوبًا ومرغوبًا، وقد روي عن سيدنا على بن أبي طالب أنه قال: “روحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان“. فكما أن الجسد يتعب من كثيرة الأعباء الملقاة عليه، كذلك فإن القلوب أيضًا تمل وتصاب في مقتل، ولذا وجب إراحتها من جديد حتى تنشط، كما يحدث مع البدن من راحة ونوم وغير ذلك. وقال أيضًا: “إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فالتمسوا لها من الحكمة طرفًا“. وهو قول شبيه بما سبقه وتأكيد له على أهمية مراعاة القلوب والحرص على تنشيطها.

ومما روي عن أسامة بن زيد رضي الله عنه في هذا الباب، أنه قال: “روحوا القلوب تعي الذكر، أي تصبح نشيطة لتلقي الذكر وفهمه وتدبره. وعن الحسن أنه قال: “إن هذه القلوب تحيى وتموت فإذا حييت فاحملوها على النافلة، وإذا ماتت فاحملوها على الفريضة“. أي أن القلوب التي ماتت من كثرة الشغل أو من كثرة الضحك، بحكم أن كليهما يميت القلب، لا تقوى على القيام بشيء سوى الفريضة، أما القلوب الحية التي تمزج هذا بذلك فإنها لا بد أن تقوم بالفريضة والنافلة معًا.

ومما روي عن الزهري أنه قال: “كان رجل يجالس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدثهم، فإذا كثروا وثقل عليهم الحديث، قال: “إن الأذن مجاجة، وإن القلوب حمضة، فهاتوا من أشعاركم وأحاديثكم“. أي لا بد أن نغير الكلام الذي نقوله ونذكر شيئًا من الشعر والطرافة وبعض القصص لعل القلوب تلين وتعود إلى سابق عهدها. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: “إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهية أن أحمل عليها من لحق ما يكلها“. أي يفعل ذلك خوفًا من الوقوع في الباطل من كثرة الشغل وحرمان الراحة القلبية والاستجمام.

وعن ابن زيد أنه قال: “قال لي أبي كان عطاء بن يسار ليحدثنا أنا وأبا حازم حتى يبكينا ثم يحدثنا حتى يضحكنا، ثم يقول: مرة هكذا ومرة هكذا“. أي المراوحة بين الضحك البكاء، حتى لا يموت القلب.