خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

هل الأصدقاء بكثرتهم؟

ID 145922464 © Odua | Dreamstime.com

سؤال محير يجب أن نردده دائمًا على أنفسنا، لأنه ضروري لتحقيق التوازن بين العلاقات الاجتماعية على الصعيد الخارجي، وبين دواخل النفس البشرية وما تموج به من صراعات. ويطرح هذا السؤال نظرًا لتشعب الحياة وتفرع مسارات الإنسان فيها بشكل ظاهر، فنجد أن بعضًا منا لديهم أصدقاء كُثر، والبعض الآخر ليس لديهم أي صداقات تذكر، فما السبب؟ وهل كثرة الأصدقاء ميزة أم عيب؟ وما صفات الصديق الحقيقي عن غيره من الأصدقاء المزيفين؟

أولاً يجب أن نعي أن الناس ليسوا طبيعة واحدة أو شكل واحد، فهناك اختلافات جوهرية تجعلنا نحمل سمات مختلفة ومتنوعة، وهذا بالطبع يشكل على جذب لتكوين الصداقات، حيث يجد المرء نفسه في حالة جيدة حينما يتعرف على بعض الأصدقاء الذين يمدونه ببعض الصفات التي يفتقد إليها، مثل: المرح، التعاون، حسن الحديث، التفكير السريع، الإحساس بالآخرين، الذكاء… إلخ. لذا فإن الإنسان يجد نفسه يتعلم من خبرات من سبقوه ويأخذ منهم بعض خبرتهم في المواقف والحياة، ولكنه في الوقت ذاته، يحتاج إلى أناس يثق بهم ممن حوله، ليبث إليهم بمشاعره ويفضي إليهم بمكنون نفسه وذاته، وحتى يشاركهم ويشاركونه أصعب اللحظات وأفضلها، فالإنسان بطبعه كائن اجتماعي لا يمكن عزله عن المجتمع، كما لا يمكن جعله يعيش منفردًا وكأنه سجين.

هناك بعض الأشخاص لديهم الكثير من الصداقات، حتى إنهم لا يكاد يجدون وقتًا لتلك الصداقات، وتمر السنوات دون أي تواصل، وإذا ما تعرض الإنسان لمرض ما أو ألمت به نازلة، لا يجد إلا بعضًا من تلك المجموعة تلتف من حوله، وقد لا يجد أحدًا منهم على الإطلاق، لذا يجب أن يكون السؤال: كم صديقًا لديك بالفعل؟ فهناك فارق بين الصديق الحقيقي والأخرى المزيف الذي لا يعرفك إلا اسمًا فقط، ويجاملك ليستفيد منك، فإن انتهت المصلحة، لا تكاد تسمع له حسًّا ولا ترى له وجهًا، ولذا فهذا ليس صديقًا بالمعنى الحقيقي، لأن “الصديق وقت الضيق”، فلا يظهر معدنه إلا في أوقات الشدة، ولذا يجب عليك أن تقوم بعملية فلترة وفحص دقيق لتحديد نوع الصداقات الحقيقة من المزيفة.

قد يكون لديك صديق واحد فقط، ولكنه حقيقي وصادق، وهو بذلك أفضل من مائة من المخادعين والكذابين، لذا لا تلتمس الخير في العدد بل في الأفعال الحقيقية والقلوب النقية الصادقة المخلصة. واعلم أن الصديق ليس الذي يجاريك في فعلك، بل الذي يدفعك إلى الخير وينهاك عن الشر، ويقدم لك المشورة والنصيحة الخالية من الأهواء، ولا تكون له غاية إلا سعادتك وصلاح أمرك. أما الذي يسعى بك نحو الخراب والدمار، ويقدم لك سبل الشر، فإنه لا يحبك بقدر ما يكرهك.

سُئل حكيم عن الصداقة الحقيقية وصفاتها، فقال إنها أمر صعب لأن حياتك كلها قد تمضي دون أن تحصل على صداقة حقيقية واحدة. وسُئل حكيم آخر فقال إن الصداقة أمر صعب تحقيقه غير أنه موجود، فطلب منه السائل أن يذكر له عدد أصدقائه الحقيقيين في الحياة، وذلك لكي يتعلم منه، فقال له إنه لا يملك إلا شخصًا واحدًا ونصف الشخص، أي شخص ونصف، فتعجب السائل من الإجابة، لأنه يدرك أن له أصدقاء كثيرين جدًا، فقال له: وكيف ذلك؟ فقال أعرف أنك لا تصدقني ولكن هذه هي الحقيقة، ويمكنني أن أثبت ذلك لك. وطلب منه الحكيم أن يحضر الناس وأن يقول لهم إن الرجل الفلاني متهم بجريمة من الجرائم وأننا سنقوم بقتله اليوم، ففعل الرجل ذلك. وجاءوا بالرجل الحكيم فمر من  بين الصفوف، فخرج له رجل وقال لهم أنا أفتديه بمالي، وخرج شخص آخر وقال: أنا أفتديه بنفسي، وسكت الباقون وانصرفوا عنه. فقال الحكيم للرجل: هذا الصديق ونصف، هل فهمت الآن، فمن قدم ماله كله فقد قدم لي نصف ما يملك، فهو نصف صديق، ومن جاد بنفسه فقد غدا صديقًا حقيقيًا مكتملاً.