خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

هل التكنولوجيا الحديثة صناعة موجَّهة، أم تطور علمي نافع؟

يطرح هذا السؤال نفسه بصفة مستمرة كلما تحدثنا عن التكنولوجيا وأثرها في حياتنا، والأهم من ذلك المدى الذي يمكن أن يُسمح لنا به في التطور التقني الآخذ في الانتشار. فالتكنولوجيا تطور علمي مبهر يزيد كل يوم، ولكنها بدأت بهذا الشكل وظلت تتطور مع مرور الأيام، إلى أن دخلت فيها الصناعة والشركات وحدثت المضاربات، مما جعل كل طرف يود أن يسيطر على الجوانب التقنية في مجاله ولا يسمح لأي جهة أخرى أن تمتلك ما في يديها، وتحول الأمر من نفع بشري غير مشروط، إلى تطور علمي مشروط بالمال وتكديس الثروات، وهنا بدأت المرحلة الأخيرة في مرحلة السيطرة، ألا وهي التوجيه من خلال استخدام التكنولوجيا في أغراض خاصة وموجهة، سواء في الإلهاء، أو دفع القوة الشرائية وتكديس المال، أو التأثير على الرأي العام، أو السيطرة على الأفكار والاتجاهات.

الأمر الأكثر وضوحًا الآن أن التكنولوجيا الحديثة وإن كانت تطورًا علميًا فائقًا، وأننا اليوم لا نستغني عنها، وأنها باتت داخلةً في كل شيء من حولنا، فإنها في نهاية المطاف صناعة متطورة ممنهجة وموجّهة بدقة عالية، ذلك أن الذين يسيطرون على تلك الصناعة لا يجدون بُدًّا من جعل العالم يسير في الاتجاه النفعي من أجل تحقيق مكاسبه التجارية، ولعل أبرز الأدلة على أن ذلك التطور يعد صناعة ما نلمسه في حياتنا من أمور كثيرة لعل أبرزها ما يلي:

أولاً: أن صناعة التكنولوجيا تتم بالتدرج لجذب القوى الشرائية، فمثلاً كان يمكن صناعة الهاتف المحمول مزودًا بكل ما نحتاج إليه دفعة واحدة، ولكن من أجل أن تكون التكنولوجيا صناعة تجارية بالدرجة الأولى فقد تم تقسيم المميزات على دفعات ومراحل شتى، وذلك لكي يدخل الناس في تسارع شرائي واستهلاكي كبير، ويمكن أن نقيس على ذلك أغلب الأجهزة الكهربائية والحواسيب وغيرها من أجهزة، إذ كان الغرض منها أولاً وقبل أي شيء آخر أن تمثل الدافع الانتهازي لإغلاق الناس في عمليات شرائية متتابعة وغير منتهية.

ثانيًا: أن التكنولوجيا تدفعنا إلى الأفكار والاتجاهات التي يريد صناعها أن يجذبونا إليها دون أن ندري، وهم يستخدمون وسائل متعددة في هذا الإطار، من أجل أن يوجهوا الجموع الغفيرة نحو زوايا محددة واتجاهات فكرية ثابتة.

ثالثًا: أن الشركات الآن تمتلك التكنولوجيا تسيطر عليها بطريقة مركزية، ولا تسمح لأحد بأخذ شيء مما في أيديها، وذلك للمحافظة على التجارة والمال والحقوق الحصرية، وكأنه ليس علمًا لخدمة البشرية، بل لخدمة أرباب المال فقط والمستفيدون، وهذا تتحول التكنولوجيا إلى شيء نفعي للأقلية من المستفيدين وأرباب المال والمتحكمين.

رابعًا: أن جني الأرباح مقدم على أي شيء آخر، فتلك أصبحت القاعدة العامة التي يبحث عنها أصحاب التكنولوجيا من خلال مؤسساتهم العملاقة التي يسعون إلى تكثير أرباحها، ومن ثم يقومون بإعداد خطط إنتاجية ليس الهدف منها خدمة الجمهور وتقديم سلع عالية الجودة، بقدر ما يكون المطلوب هو تحقيق الأرباح وجني الثمار وتوفير الجهد المبذول والعمالة البشرية.

خامسًا: أن عملية التوجيه تتم من خلال وسائل متعددة: وسائل التواصل، منصات الفيديو، الإعلانات، المنتجات، وتقريبًا كل شيء من حولنا، فقد أصبحت التكنولوجيا مستغلة بشكل كبير في توجيه الناس إلى السلع التي يود المنتجون تصريفها من خلال الإعلانات والعروض المتعددة والصور اللافتة للنظر. وأيضًا يتم توجيه التكنولوجيا إلى العديد من الأنشطة، وتسخر الوسائل بشتى أشكالها لخدمة هذا التوجيه الذي يمثل جذبًا للزبائن وإغراءً لهم بأن يقتحموا تلك المجالات.

لقد شكلت التكنولوجيا عالم اليوم، وستصبح جزءًا مؤثرًا في المستقبل، ولكن الأهم أن مَن يسيطرون على تلك التقنيات سيظلون باستمرار يوجهون أغراضهم ويعرضون سلعهم للوصول إلى أهدافهم، وخاصة دفعهم للقوة الشرائية ورفع الطاقة الاستهلاكية للناس، مما يزيد من الأسعار ويعمل على نفاد الموارد سريعًا.