خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

وسطية الإسلام وموازنته بين الروح والجسد

وسطية الإسلام هي أهم ما يميز دين الإسلام، فهو لم يغالِ في مطالب الجسد ويضخم من الحاجات المادية للإنسان، فيصبح الإنسان أشبه ما يكون بآلة وليس بشرًا يحس ويتأثر ويؤثر، كما أنه لم يغالِ في مطالب الروح ويصل بها إلى مرحلة التنسك والتبتُل وترك الحياة جملةً وتفصيلاً.

مراعاة حاجة الجسد

لقد راعى الإسلام ما يقيم حياة الإنسان بشكل أفضل، فلم يهمل حاجة الجسد من مطالب أساسية وضرورية وضعها الله في عباده، ولم يهمل جانب الروح وحاجة النفس إلى المعاني الروحية السامية، وإنما وازن بين الأمرين معًا، وجعل لكلٍ منهما دوره الذي لا غنى عنه، وبذلك اكتملت الثنائية التي ارتضاها الله للمسلمين لكي يكونوا شهداء على الناس.

وقد جاءت آية الوسطية في سورة البقرة دالة على معانٍ سامية، فقد ارتضى الله لأمة الإسلام أن تكون وسطًا بين الأمم جميعًا، قال الله تعالى:

“وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ” (سورة البقرة: 143)

ماذا تعني وسطية الإسلام

وهناك أكثر من معنى لكلمة الوسط التي وردت في الآية الكريمة، ومنها: فالوسط يعني الاعتدال وعدم الغلو. كما أن الوسط هو العدل أي الذي لا يميل عن الحق. ووسط الشيء أفضله، كما نقول واسطة العِقد أي الجوهرة الغالية التي تتوسطه وتكون بارزة فيه وهو أثمن ما فيه. ونتيجة لتلك الأفضلية فإن الله تعالى قد جعل أمة الإسلام شاهدة على الأمم السابقة، فهي الأمة الوحيدة التي تؤمن بكل رسل الله وأنبيائه ولا تنكر أحدًا منهم، بل إن المسلم لا يكون مسلمًا، إلا إذا آمن بكل الرسل والأنبياء معترفًا بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين ورسالته هي الأخيرة.

وقد ذم الله سبحانه اليهود بسبب تغليبهم مطالب الجسد على مطالب الروح، بحيث بالغوا فيها وجعلوا الجسد أساسًا لحياتهم ومدار متعهم وماديتهم المفرطة. كما بالغ النصارى أيضًا في مطالب الروح وجعلوها مدار عبادتهم، فظهر التنسك والتبتل عندهم. أما الإسلام فإنه الوسط الذي وازن بين الأمرين معًا، فجعل للروح مطالبها التي تسمو بها، وجعل للجسد ما يبقيه سليمًا دون إفراط ولا تفريط.

وقد ورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة دالة على هذا المعنى، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم من: “أن ثلاثة نفر جاؤوا إلى عائشة رضي الله عنها فسألوا عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرتهم بها، فتقالُّوها- أي وجدوها قليلة- فبدا لهم أن يأتوا من العبادات ما هو أكثر، فعلم رسول بأمرهم، فقال:

“أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني” (متفق عليه).

الطريق القويم

وهنا يبين النبي صلى الله عليه وسلم المنهج الوسط، والطريق القويم الذي ينبغي على العبد أن يسير فيه، وهو الحفاظ على التوازن بين الروح والجسد ومراعاة مطالبهما بما يقيم حياة الإنسان بشكل أفضل، فلا يحرم نفسه من كل شيء، ولا ينغمس في المحرمات، بل يتمتع بما أحله الله له دون إسراف، ويعبد الله تعالى ويقوم على طاعته وهداه، فيحصل الأجر والثواب والسعادة في الدنيا والآخرة.

إن دين الإسلام هو دين الوسطية والتوسط، وهذا لا يعني التشتت وضياع الهُوية، بل يعني الحصول على أفضل ما يقيم حياة الإنسان، وأن يتميز على غيره من الأمم السابقة بميزة الأفضلية والسير في طريق الحق بشكل متزن، لا ميل فيه إلى المتع والإسراف في حاجات الجسد، ولا عكوف على العبادة التامة والانصراف عن الحياة جملة وتفصيلاً، بل الموازنة بين الجانبين، ويجمع الله بين الأمرين في قوله سبحانه: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ” (سورة الأعراف: 96). فالإيمان والتقوى تتبعه بركات ينعم بها الإنسان ويروي جسده من نعيم الله.