خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

وصف ابن بطوطة لعادات أهل دمشق وأوقافها

dreamstime_xs_181928966
© Nuttawut Uttamaharad | Dreamstime.com

دمشق عاصمة الدولة الأُموية وأرض أول الخلافة الإسلامية، وعلى الرغم من أن العباسيين قاموا بنقل مقر الخلافة إلى بغداد، فإنها لم تفقد بريقها ورونقها، فخلال فترة دولة المماليك كان لجهود صلاح الدين الأيوبي أثرٌ في  توحيد بلاد الشام واستقرارها ورخائها، ومنها دمشق التي زارها ابن بطوطة ووصف عادات أهلها وأوقافهم، فذكر أن الأوقاف في دمشق لا تُحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها، فمنها أوقاف العاجزين عن الحج؛ حيث يعطى لمن يحج عن الرجل منهم كفايته. ومنها أوقاف لتجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن. ومنها أيضًا أوقاف لفِكاك الأسارى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل يعطون منها ما يحتاجونه من مأكل وكساء، ويزوّدون بما يوصلهم لبلادهم.

وهناك أيضًا أوقاف لتعديل الطريق ورصفها، لأن لكل زُقاق من أزقة دمشق رصيفين جانبيين، يمر عليهما المترجلون، بينما يمر الراكبون فيما بينهما. وهناك أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير الأخرى.

يقول ابن بطوطة: مررت يومًا ببعض أزقة دمشق، فرأيتُ به مملوكًا صغيرًا قد سقطت من يده صَحْفة من الفخار الصيني وهم يسمونها الصحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم: اجمع شققها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني، فجمعها وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن. وهذا من أحسن الأعمال، لأن سيد الغلام لا بد له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضًا ينكسر قلبه ولا يتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقت جيدًا للقلوب.

ويتنافس أهل دمشق في عمارة المساجد والزوايا والمدارس، ويحسنون الظن لكل من انقطع بجهة من جهات دمشق، فلا بد أن يتأتى له وجه من المعاش من إمامة مسجد، أو من قراءة بمدرسة، أو من ملازمة مسجد يجيء إليه فيه رزقه، أو من قراءة القرآن، فمن كان بها غريبًا على خير، لم يزل محفوظًا عما يذري بالمروءة. ومَن أراد أن يطلب علمًا أو تفرغًا للعبادة، وجد الإعانة التامة على ذلك.

ومن فضائل أهل دمشق أن لا أحد منهم يفطر وحده البتة في ليالي رمضان؛ فمن كان منهم من الأمراء والقضاة والكبراء، فإنه يقوم بدعوة أصحابه والفقراء ليفطروا عنده، ومن كان من التجار وكبار الرعية، صنع مثل ذلك، ومن كان من الضعفاء أو من البادية، فإنهم يجتمعون كل ليلة في دار أحدهم أو في مسجد، ويأتي كلّ واحد بما عنده فيفطرون جميعًا.

ومن عادة أهل دمشق وسائر تلك البلاد، أنهم يخرجون بعد صلاة العصر من يوم عرفة، فيقفون، وتقف بهم أئمتهم كاشفي رؤوسهم، داعين خاضعين خاشعين، متلمسين البركة ومتوخين الساعة التي يقف فيها وفود الله وحجاج بيته بعرفات، ولا يزالون في خضوع وذكر وابتهال وتوسل إلى الله تعالى بحجاج بيته إلى أن تغيب الشمس، ثم ينفرون كما ينفر الحجيج باكين على ما حُرموه من ذلك الموقف الشريف بعرفات.

وأورد ابن بطوطة قصة وقعت بينه وبين نور الدين السخاوي مدرس المالكية قال: فرغب أن أفطر عنده في ليالي رمضان، فحضرت عنده أربع ليالٍ ثم أصابتني الحمى، فغبت عنه فبعث في طلبي، فاعتذرت له بالمرض، فلم يسعني عذرًا، فرجعت إليه وبت عنده، فلما أردت الانصراف بالغد منعني من ذلك وقال لي: احسب داري كأنها دارك أو دار أبيك أو دار أخيك، وأمر بإحضار الطبيب، وأن يضع لي بداره كلّ ما يشتهيه الطبيب من دواء أو غذاء، فأقمت كذلك عنده إلى يوم العيد وحضرت المصلى، وشفاني الله مما أصابني.

وكانت النفقة قد نفتد، فعلم بذلك فاستئجار لي جمالاً ومنحني الزاد وما أحتاج من دراهم، وقال لي: “تكون لما عسى أن يعتريك من أمر مهم“. وتلك أخلاق نبيلة تسمو بالنفس وترفع من قدرها.