خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

وصية هارون الرشيد لخلف الأحمر مؤدب ولده الأمين

ID 92386041 © Victoria Shelest | Dreamstime.com

كان الخلفاء من بني أمية وبني العباس يعتمدون في تنشئة أبنائهم على مجموعة من المعلمين أم المؤدبين، وهم أشخاص متميزون في مجالاتهم وبارعون، لهم صيت في زمانهم وتأثير فيمن يتعلم على يديهم، ولذا كان الخلفاء يحرصون على تعليم أبنائهم على يد أفضل المؤدبين في زمانهم، وأن يتلقوا العلم بشكل دقيق ومتواصل لا تهاون فيه، بل كانوا يجعلون من سلطة المؤدب شكلاً أعلى واجب النفاذ لكل ما يأمر به، فقد يتحكم المؤدب في أبناء الخلفاء بشكل تام، وينصاعون له انصياعًا تامًا لا هوادة فيه، ويأخذون نظير ذلك الكثير من الأموال، فهم يؤدبون خلفاء المسلمين القادمين. وكان الخليفة يقدم وصية للمؤدب كي يعمل بها في تنشئة أبنائه، ومن أروع وصايا الخلفاء لمؤدبي أبنائهم، ما نجده في وصية الخليفة هارون الرشيد مع خلف الأحمر مؤدب ولده محمد الأمين.

ويذكر خلف الأحمر تلك الوصية فيقول: “بعث إليَّ الرشيدُ في تأديب ولده محمد الأمين، فقال: يا أحمرُ، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه، فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة؛ فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين: أَقْرِئْهُ القرآن، وعرِّفه الأخبار، وروِّه الأشعار، وعلمه السنن، وبصِّرْه بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه. ولا تَمُرَّن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميتَ ذهنه. ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفَه. وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإنْ أباهما فعليك بالشدة والغلظة”. (المسعودي، مروج الذهب، ج 3، ص 254، طبعة دار إحياء التراث العربي)

والناظر إلى تلك الوصية يجد أنها جامعة في تأديب الأبناء، فيها التزام وطاعة من المتعلم للمؤدب، وفيها صنوف العلم الأساسية التي يود هارون الرشيد غرسها في ولده، من قراءة القرآن، ومعرفة الأخبار والسير، ورواية الأشعار، وحفظ السنن والأحاديث. ثم إن الأهم بالنسبة للخليفة أن ينطبع ذلك التعليم في سلوكيات ابنه، فيعرف كيف يتحدث ومتى يصمت، كيف يبدأ كلامه، وكيف يضحك، وطريقة استقباله المشايخ من بني هاشم، أي رؤوس بني العباس، وطريقة استقبال القواد وأصحاب المهام في الدولة. وتلك الأمور كلها إذا أتقنها كان مستعدًا لأمر الخلافة إذا صار إليه الأمر.

ولهارون الرشيد كلام مهم ضمن الوصايا التي وصّى بها بنيه حينما سمعهم يستعملون الغريب في محاورتهم ويجنحون إلى الغليظ من الكلام، فأراد نصحهم، فقال: “لا تَحْمِلُوا ألسنتَكم على وَحْشِيِّ الكلام، ولا تُعَوِّدُوها المستشنع ولا المتصنع؛ فان العادة ألزم من الطبع. واعتمدوا سهولة الكلام من غير استكراه ولا مؤونة تَكلُّف. سيِّدُ الكلام ما ارتفع عن طبقة العامة، وانخفض عن درجة المتشدقين، وخالف سُبُل المُغْرِقين. فليكن كلامكم قَصْدًا، وألفاظكم عددًا؛ فإن الإكثار يمحق البيان، ومِن قِبَلِهِ تحدث الآفةُ على اللسان. وتحامَوا الأُنس بالسلطان، وكلما رفع دونكم سترًا من الحشمة فاحتجبوا عنه بستر من الإعظام، وكونوا أشدَّ ما يكون لكم بسطًا أشدَّ ما تكونون له هيبة. ثم تمثل بأبيات الخَطَفَي جَدِّ جريرٍ:

عجبتُ لإزراء العيِيِّ بنفسه … وصمتِ الذي قد كان بالنطق أعلما

وفي الصمت سترٌ للغبي وإنما … صحيفة لب المرء أن يتكلما

ومَن لا يصب قَصْدَ الكلامِ لسانُهُ … وصَاحَبَهُ الإكثارُ كان مُذَمَّما

إذا نِلْتَ إِنْسِيَّ المقالة فليكن … به ظَهْرُ وحشيِّ الكلام محرَّما

وإنْ أكثر السلطانُ أُنْسَكَ فاحترز … ولا تَفْغَرَنْ إلا بهيبته فما”.

وتلك وصية أخرى من الوصايا القيمة لاستخدام ألفاظ اللغة، ولتعلم الطريقة الأصوب في التعامل مع التراكيب، وبذلك فإن هارون الرشيد يضرب لنا مثلاً في كيفية تأديب الأبناء وكيفية تعليمهم وكيف تنضبط لغتهم وتراكيبهم بحث لا تكون مترهلة ولا مستهجنة، ولا غريبة أو شاذة غير مستخدمة.