خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

وقفات إيمانية على عرفات

ID 164985339 © Elmirex2009 | Dreamstime.com

إنه اليوم العظيم، يوم الحج الأكبر، فيه يقف حُجاج بيت الله الحرام لتأدية الركن الأكبر من أركان الحج، يبتهلون إلى الله بالدعاء والتلبية والتهليل والتحميد، يسألون الله العفو والمغفرة، يخشون عذابه ويستمطرون رحمته، تجدهم قد ألحوا في الطلب، وارتدوا زيًّا واحدًا يشبه الكفن، وقد تخلصوا من كل ما يربطهم بدنياهم، وشدوا الرحال إلى الله تعالى يجأرون ويرفعون وجوههم إلى السماء يرجون أن ينظر الله إليهم في موقفهم هذا، وهم على قلب رجل واحد، لا فرق فيهم بين أبيض ولا أسود، ولا غني ولا فقير، ولا قوي ولا ضعيف، فكلهم سواسية.

 إنه يوم المغفرة لأهل عرفات وضمان المظالم والتبعات، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أتاني جَبرائيلُ عليهِ السلامُ آنِفًا فأقرأني من ربِّي السلام، وقالَ: إنَّ اللهَ عزَّ وَجلَّ غَفَرَ لأهلِ عَرَفَاتٍ وأهل المشعر، وضمن عنهُم التَّبعَات، فقامَ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه فقالَ: يا رسول الله هذا لنا خاصَّة؟ قال صلى الله عليه وسلم: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة، فقالَ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: كَثُرَ خيرُ اللهِ وطاب” (رواه ابن عبد البر، وقال عنه الألباني: صحيح لغيره)، وهذا فضل عظيم ومنحة من الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

إن السعيد من عرف قدر خالقه وعظّم شعائره، وظنّ فيه سبحانه خيرًا، وعلِم أن المغفرة واقعة لهذا الحشد الكبير على عرفات الله، قال ابن المبارك: “جئتُ إلى سفيان الثوري عشيةَ عرفةَ وهو جاثٍ على ركبتيهِ وعيناهُ تَهْمِلان، فقلتُ له: مَن أسوأُ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يَظنُّ أن اللهَ لا يغفرُ لهم”. وحتى إن لم توفق إلى عرفات، فإن صيامك يعد بابًا للمغفرة والقبول في هذا اليوم، فأحسن الظن في الله تعالى، واستبشر خيرًا.

ويوم عرفة هو أغيظُ يوم يمرّ على الشيطان، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما رُئِيَ الشيطانُ يومًا هُوَ فيهِ أصغَرُ ولا أَدْحَرُ ولا أَحْقَرُ ولا أَغْيَظُ منهُ في يومِ عَرَفَةَ، وما ذاكَ إلاَّ لِما رَأَى مِن تَنَزُّلِ الرَّحمةِ، وتجاوُزِ اللهِ عنِ الذُّنوبِ العِظامِ، إلاَّ ما أُرِيَ يومَ بدرٍ، قيلَ: وما رأَى يومَ بدرٍ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: أمَا إنَّهُ قد رأَى جبرِيلَ يَزَعُ الملائكةَ” (رواه مالك، وحَسّنه البيهقي، وقال ابن عبد البر: هذا حديث حسن)، والحديث فيه دلالة على أن من شهد تلك المواقف فإن الله تعالى يغفر له بمشيئته، فيكون ذلك سببًا في حسد إبليس للمؤمنين على ما نالهم من غفران.

ومن وقف بعرفات فقد أدرك الحج، وقد نال الثواب وارتفع درجات، والله يضاعف لمن يشاء، قال صلى الله عليه وسلم: “الْحَجُّ عَرفَةُ” (رواه الترمذي)، وقال وكيعٌ: “هذا الحديثُ أُمُّ المناسِكِ”. أي رأس المناسك لأنه حدد الركن الأكبر، والشيء الذي إذا فُقد ضاع الحج. وقد دل هذا على أهمية ذلك اليوم ومكانته في دين الإسلام، ومن ثم وجب على الحاج استغلاله بالتلبية والدعاء، وعلى غير الحاج صيامه والإكثار من التكبير والذكر فيه.

وفي ختام تلك الوقفات الإيمانية على عرفات، يجب أن نشير إلى أمر مهم، ألا وهو: أن اجتماع الناس في المساجد من بعد صلاة العصر في يوم عرفة للدعاء والذكر في بعض البلدان، ليس من سُنن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي حفصة المدَنيّ أنه قال: “اجتَمَعَ الناسُ يومَ عَرَفَةَ في مسجدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَدْعُونَ بعدَ العَصْرِ, فخَرَجَ نافعٌ مولى ابنِ عُمَرَ مِن دارِ آلِ عُمَرَ فقالَ: أيُّها الناسُ، إنَّ الذي أنتُم عليهِ بدعَةٌ وليسَتْ بسُنَّةٍ, إنَّا أَدْرَكْنَا الناسَ ولا يَصْنَعُونَ مِثلَ هذا, ثُمَّ رجَعَ فلمْ يَجلِسْ, ثمَّ خرَجَ الثانيَةَ ففَعَلَ مثلَهَا, ثُمَّ رَجَعَ” (رواه ابن وضَّاح، في: البدع والنهي عنها).

إن يوم عرفة فرصة عظيمة لغفران الذنوب، فيجب على الحاج الدعاء والتلبية وإحسان الظن بخالقه، موقنًا بأنه يقبل الأعمال ويغفر الذنوب. أما غير الحاج فيجب ألا يفوت صيامه مع الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء والتماس الأجر.