وقفات مع حديث إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن

الإسلام للمبتدئين 13 Jumada Al Oula 1442 AH Contributor
حديث إن قلوب بني آدم

يعد حديث إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن من جوامع كلم النبي –صلى الله عليه وسلم- وقد خصه الله تعالى بأن أعطاه جوامع الكلم. وهذا يعني أن النبي –صلى الله عليه وسلم- يستطيع التعبير عن المعاني الكثيرة بكلمات يسيرة جامعة.

نص حديث إن قلوب بني آدم

تواترت كتب السنة على راوية هذا الحديث فقد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن عَبْد اللهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ –رضي الله عنه-. يَقُولُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:

“إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ  ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ” (أخرجه مسلم في صحيحه)

دل حديث إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن. على أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقلب القلوب وسائر الأمور، فهو سبحانه وتعالى يصرف الأمور ويقلب القلوب وهذا وجه عظيم من أوجه تفرده بالألوهية والربوبية سبحانه وتعالى.

تقلب وتغير دائم

وكثيرًا ما نرى هذا التقلب والتغير في حياتنا، فقد يصبح الشخص كافرًا ويمسي مؤمنًا وقد يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا. ونرى كذلك أن العاصي قد يتوب إلى الله تعالى وقد ينقلب حال الطائع ويصبح من العصاة وهذا يدعو العبد للتفكر والتأمل في حال نفسه وسؤال الله تعالى الثبات على الدين

إن مسألة تقليب القلوب وتغييرها من المسائل التي يجب على العبد أن يقف معها بمزيد تأمل وتفكير. فهو وإن كان على خير وطاعة، فعليه أن يحذر لأن هذا الحال قد يتغير في لحظات معدودة. ومع أن النبي –صلى الله عليه وسلم- معصوم من الذنوب صغيرها وكبيرها إلا أنه  يسأل ربه الثبات على الطاعة. وتصريف القلوب نحوها، وهذا جانب عظيم من جوانب تواضع النبي وهو أيضًا من جوانب تعليمه لأمته.

كذلك دل حديث إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن. على أن القلب له مكانة كبيرة لدى الإنسان لذلك فإنه ملك الجوارح وهي له خدم. وقد صح عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال:

“أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ” (أخرجه البخاري ومسلم)

ومعنى هذا أن العبد مطالب بتعهد قلبه دومًا واختبار مدى قربه أو بعده من ربه سبحانه وتعالى.

صلاح العمل إنعكاس لما يحويه القلب

لهذا فإن صلاح العمل وثيق الصلة بصلاح القلب، فلن يصلح العمل إلا إذا صلح القلب، فالقلب هو محل نظر العبد من ربه سبحانه وتعالى. وقد قال –صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ” (أخرجه مسلم)

إن قول النبي –صلى الله عليه وسلم- إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، يعطي دلالة قوية أن الأصل في القلب أنه دائم التغير والتقلب ولذلك قال الشاعر:

ما سمي القلب إلاَّ من تقلبه       فاحذر على القلب من قَلْب وتحويل

ويفهم حديث إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن في ضوء قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ  وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}(الأنفال:24).

ومعنى قوله تعالى يحول بين المرء وقلبه، أن الله سبحانه وتعالى قد يحول بين المؤمن والمعصية. وهذا من أعظم صور تصريف القلوب وتقليبها وتغييرها، ولذلك فإن العاقل هو الذي يسأل الله تعالى الثبات على الإيمان والطاعة. ويتفقد قلبه دومًا فربما كان قلبه بعيدًا عن ربه سبحانه وتعالى فتعرض للتقليب والتغيير.

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية