خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

وقفة مع النفس

kawin-harasai-2Ev2aUB8NJI-unsplash
Kawin Harasai-Unsplash

حين يقف الإنسان مع نفسه يحدثها ويجري حوارًا داخليًا معها، لكي يستخلص نوازع نفسه، ويوقن بما تنطوي عليه سريرته، فإنه يدرك أن النوازع تملأه وتغلب عليه، وإما أن يكون مدافعًا وحائط سد ضد تلك النوازع، وإما أن يكون متساهلاً معها ويتركها تهاجمه بشراسة. ومن هنا كانت تلك الوقفات مع النفس ضرورة ملحة، ويروى أن أحد التابعين كان إذا وجد منه نفسه أثر المعصية، قام وحفر حفرة كأنها القبر تمامًا، ثم وضع نفسه فيها، وأمر بعض أصحابه بأن يغطيها بشيء ليكون مثل القبر، ويظل يبكي على حسراته وذنوبه، فإذا وجد أن روحه تكاد تخرج أمر بإخراجه، وهكذا فعل كل مدة ليجدد إيمانه ويخلص نفسه من نوازعها.

وإذا كانت نوازع الشهوة موجودة عند كلّ منا، فكيف نتصرف أمام الحركات والمشاهد المثيرة؟ علينا أن نعلم أن جميع الحركات والمشاهد المثيرة للشهوة إنما أُعدت وعُرضت للإثارة فقط، ومن الخطأ أن نتخيل سلسلةً من المواقف اعتمادًا على مشهد، أو انطلاقًا من صورة. لقد سمعتُ جملة من رجل يصف فيها أحد الأشرطة الممنوعة، وقد توقفتُ كثيرًا أمام قوله: “إنه شريط إثارة ليس إلا، ويتعجب من اهتمام الناس به، إنه يتعامل مع الأشياء على حقيقتها، وتلك الأمور في نظره للإثارة وللإثارة فقط، فهو غير مستعدٍ لصرف عواطف مزيفة ومشاعر بلاستيكية للإثارة المزيفة التي تزول مع أول دقات جرس المنزل. ومن ثمَّ كان من أقوى الأشياء في شخصيتك، هو أن تتعامل مع الأشياء على حقيقتها وحجمها الطبيعي، وهذا شيء يدعوك إلى الثقة بالنفس والانضباط والتوازن في الشعور والعواطف.

لكن ألا تقف خلف طلب الزواج دوافع قوية من تلك الأمور المثيرة؟ يبدو منطقيًّا أن نقول إن طلب الزواج يعدُّ دافعًا حقيقيًّا، وخلفه دواعٍ لا يمكن أن نتغافل عنها، ولكن هل الذي نحصل عليه بعد الزواج، هو نفسه الذي كنّا نتصوره من قبل؟ كلا المسألة تختلف في الواقع عن الخيالات في النفس؛ فالدوافع التي نتصورها عن الزواج أكبر في جانب العاطفة والخيال النظري، ولكن في الوقت نفسه هي بحاجة إلى رصيد من الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الإنسان بعد الزواج. وهناك فرق واضح بين مَن يتخيل مشروع الزواج، وبين المتزوجين فعلاً، فلا معنى للإغراق في خيالات لا رصيد لها، لا قبل الزواج أو بعده.

ويكون التفكير للمستقبل سليمًا عندما تحيط بالإنسان أحوال يشعر فيها بالإحباط والفشل، ليس جميلاً أن يستسلم لها ويعطل مشاعره ويكون رهن التفكير في الماضي المقلق، أو الواقع المحبط؛ بل جدير به أن يكون سيد الموقف، فيطلق لنفسه التفكير في مستقبل زاهر لحياته؛ من بناء أسرة وتحقيق مكانة مرموقة في المجتمع، إن الأمل المنطلق يجعل الحياة أمامك فسيحة ورحبة ويدعوك إلى العمل المنتج والحركة المثمرة، يقول أحد الشعراء مُعبرًا عن هذه الحالة التي تمر به نفسه:

أُعلّلُ النفسَ بالآمال أرقبها     ما أضيق العيش لولا فُسحة الأملِ

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم عظماء في مواقفهم المشهودة مع النفس، فلم يتركوا لها فسحة التلهي والعبث ولو كان حلالاً مباحًا إلا فيما ندر، نجدهم يحرصون على أوقاتهم بالطاعة والعبادة وصلة الأرحام، مع كثرة الإنفاق والعبادة والزهد في الدنياوإلى غير ذلك ومن أعمال الخير، لقد نجوا في السيطرة على النفس ونوازعها الدنيوية كافة، وجعلوها تسير في اتجاه الآخرة فقط، ولا سبيل سوى ذلك. أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان باستطاعته صلى الله عليه وسلم أن يملك ملكًا عظيمًا إن أراد ذلك، وعندما خيّره الله بين الدنيا وبين لقائه، فإنه فضّل لقاء الله تعالى على الدنيا وما فيها، ولم تنازعه نفسه صلى الله عليه وسلم على الدنيا يومًا، بل إنه كان يقول دائمًا: “ما لي وللدنيا…”.