خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

يحيي بن يعمر ومواقفه مع الحجاج

ID 65219037 © Floriano Rescigno | Dreamstime.com

كان الحجاج رجلاً فصيحًا، بل كان في وقته أحد أربعة من فصحاء العرب الذين لا يلحنون في كلام العربية أبدًا، وكانت أقوالهم محلاً للاستشهاد بها. ويرجع ذلك إلى أنه من الطائف ونشأ في البادية ولم تتشبع لغته بالألفاظ المستحدثة، فبقيت سليمة ونقية. وظل يفخر بذاته، حتى جاء يوم واصطدم فيه برجل فصيح بليغ من الأهواز، وليس عربي المنشأ، ولكنه آية في الفصاحة والبلاغة، فاهتم لأمره وأخذ يسأله عن بعض أخطائه في اللغة واللحن فيها. ونعرض هنا لبعض المساجلات بينه وبين الحجاج، وبعض المواقف التي دارت بينهما.

كان يحيى بن يعمر كاتب المهلب بن أبي صفرة بخراسان، وكان الحجاج يقرأ كتبه فيعجب بها، فقال: ما هذا؟ فأُخبر عنه، فكتب إليه بالقدوم إليه، فقدم إليه فرآه فصيحًا جدًّا، فقال: أين ولدت ؟ فقال: بالأهواز، فقال: فما هذه الفصاحة؟ قال: “أخذت ذلك عن أبي فقد كان فصيحًا”. فقال له الحجاج: أخبرني عن عنبسة بن سعيد، هل يلحن؟ قال: كثيرًا! قال: فأنا ألحن؟ قال: لحنًا خفيفًا، قال: أين؟ قال: تجعل إِنّ أَنّ وأَنّ إِنّ ونحو ذلك… قال: لا تساكني ببلدة، أُخرج !”. ومن ثم فقد خشي منه الحجاج لما وجده يرصد لحنه، ويتصيد خطأه، فأخرجه من العراق حتى لا يتتبع الأخطاء التي قد يقع في بعض منها على العامة.

وروي أن الحجاج بعث بيحيى بن يعمر إلى خراسان، وبها يزيد بن المهلب، فكتب إلى الحجاج، قائلاً: “إنا لقينا العدو، ففعلنا وفعلنا، فاضطررناهم إلى عرعرة الجبل فقال الحجاج: ما لابن المهلب وهذا الكلام! ويقال إنه قال: ليس يزيد بأبى عذر هذا الكلام! فقيل له. إن ابن يعمر قال ذلك، قال: ذلك إذًا!

وفي رواية أخرى قال الحجاج لابن يعمر: “أتسمعني ألحن على المنبر؟ قال: الأمير أفصح من ذلك؛ فألح عليه، فقال: حرفًا، قال: أيًّا؟ قال: في القرآن، قال: ذلك أشنع له فما هو؟ قال: تقول: “قل إِنْ كانَ آباؤُكم وأبناؤُكم إلى قوله عزّ وجَلَّ أحبَّ” فتقرؤها: أحبُّ بالرفع، والوجه أن تقرأ بالنصب، على خبر كان، قال: لا جرم لا تسمع لي لحنًا أبدًا؛ فألحقه بخراسان، وعليها يزيد بن المهلب، قال: فكتب يزيد إلى الحجاج: إنا لقينا العدو، فمنحنا الله أكتافهم، فأسرنا طائفةً، وقتلنا طائفةً، واضطررناهم إلى عرعرة الجبل، وأثناء الأنهار. فلما قرأ الحجاج الكتاب قال: ما لابن المهلب ولهذا الكلام! حسدًا له، فقيل له: إن ابن يعمر هناك، فقال: فذاك إذًا!.

ومن المواقف الصعبة بين الحجاج ويحيى بن يعمر ما ذكره ابن عبد ربه من أن الحجاج بعث إليه فقال: أنت الذي تقول: إن الحسين بن علي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لتأتين بالمخرج أو لأضربن عنقك! فقال له: فإن أتيت فأنا آمن؟ قال: نعم، قال له: اقرأ “وتِلك حُجَّتُنا آتَيْنَاها إِبراهيمَ على قَوْمه، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشاءُ” إلى قوله تعالى: “وَمِنْ ذُرّيَّته داودَ وسليمانَ وأيّوبَ ويُوسُف وَمُوسى وهَرُونَ وكذلك نجزي المحسنين وزَكرِيّا وَيحيى وعِيسى وإليْاسَ كلٌ مِنَ الصّالحين” فمن أقرب: عيسى إلى إبراهيم، وإنما هو ابن بنت بنيه، أو الحسين إلى محمد ؟ فقال الحجاج: فوالله لكأني ما قرأت هذه الآية قط! وولاه قضاء بلده، فلم يزل بالبصرة قاضيًا حتى مات.