خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

يزيد بن أبي مسلم مقيدًا بأمر الخليفة

ID 177233540 © Hector Martinez Troyano | Dreamstime.com

لم يكن الحجاج وحده هو القائم بأمر العراق، بل سانده في ذلك رجال كُثر، وكان رجله الأول وساعده الأيمن منذ خرج إلى مكة قاصدًا توحيد الخلافة وجمعها لعبد الملك بن مروان، هو يزيد بن أبي مسلم، وقد أعطاه الحجاج ديوان الرسائل، وكان أثيرًا لديه، يعوده في مرضه؛ وقيل إن الحجاج كان أخاه في الرضاعة؛ فلما توفي الحجاج في آخر أيام الوليد ابن عبد الملك، ولى مكانه يزيد، فجاوز فعل الحجاج وتعدى، حتى قال الوليد: “مات الحجاج بن يوسف الثقفي، فوليت مكانه يزيد بن أبي مسلم، فكنت كمن سقط منه درهم فأصاب دينارًا! وقال ليزيد: قال لك الحجاج: أنت جلدة ما بين عيني، وأنا أقول لك: أنت جلدة وجهي كله!”.

وكان سليمان بن عبد الملك يرى أن الحجاج ومن عاونوه على ضلالة، فلم أُدخل عليه يزيد بن أبي مسلم وقد آلت له الخلافة، وقد دعاه إليه موثقًا بالحديد بعد أن علم أنه ممن كادوا لنزع الخلافة منه لتذهب إلى ابن الوليد بن عبد الملك، وقد ازدراه، وكان يزيد دميمًا، وقال: “ما رأيت كاليوم قط! لعن الله امرأً أجرك رسنه، وحكمك في أمره! فقال: يا أمير المؤمنين، ازدريتني لما رأيتني والأمر عني مدبر، ولو رأيتني والأمر عليَّ مقبل، لاستعظمت مني ما استصغرت، ولاستجللت “جعلته جليلاً” ما استحقرت! فقال سليمان: صدقت ثكلتك أمك، اجلس! فجلس، فقال له: عزمت عليك يا بن أبي مسلم لتخبرني عن الحجاج، أتراه يهوي في نار جهنم، أم قربها؟ قال: يا أمير المؤمنين، لا تقل هذا في الحجاج، وقد بذل لكم النصيحة، وأخفر دونكم الذمة، وأمن وليكم، وأخاف عدوكم، وكأني به يوم القيامة على يمين أبيك ويسار أخيك، فاجعله حيث شئت!.

وفي رواية أخرى لذلك الموقف قال سليمان: “أترى الحجاج بلغ قعر جهنم بعد؟ قال: يا أمير المؤمنين، يجيء الحجاج يوم القيامة بين أبيك وأخيك، قابضًا على يمين أبيك وشمال أخيك، فضعه من النار حيث شئت! فقال له سليمان: اغرب إلى لعنة الله! فخرج؛ فالتفت سليمان إلى جلسائه فقال: قاتله الله ما أحسن بديهته وتنزيهه لنفسه ولصاحبه! ولقد أحسن المكافأة لحسن الصنيعة، خلوا عنه”.

ولم ينته الموقف عند ذلك الأمر، لأن يزيد ابن المهلب كان موجودًا، فأخبر سليمان عن عفته عن الدينار والدرهم، وكان ابن المهلب مقربًا من سليمان، فهمّ بأن يستعمله في بعض أُموره، فصرفه عن ذلك عمر بن عبد العزيز حتى لا يذيق الناس ما أذاقه الحجاج لهم من العذاب والنكال. فلما ولي بعده يزيد بن عبد الملك، استعمله على إفريقية.

ومما يلاحظ أن هذا الموقف الذي اتخذه يزيد بن أبي مسلم مع سليمان بن عبد الملك، قد حدث مع آخرين. ومما يُروى عن يزيد بن أبي مسلم في موقف آخر شبيه بذلك الموقف، أنه قد دخل على أمير بعد نكبة نالته، فرأى من الأمير بعض الازدراء، فقال له: “لا يضعني عندك خمول النبوة وزوال الثروة، فإن السيف العتيق إذا مسه كثير الصدأ، استغنى بقليل الجلاء، حتى يعود حده، وما أصف نفسي عجبًا، بل شكرًا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم ولا فخر! فجهر بالشكر، وترك الاستطالة بالكبر”.

إن شخصية يزيد بن أبي مسلمة من خلال ما ذكرنا، تدل على أنه كان فصيحًا بليغًا قادرًا على الخروج من أصعب المواقف، كما أنه كان وفيًا للحجاج وراعيًا لزمته، فلم يقل شيئًا سيئًا عنه بعد موته، ورغم أنه كان يمكنه أن يفعل ليخلص نفسه من سجن سليمان بن عبد الملك. كما أنه كان رجلاً كارهًا للمال ولا يحرص على الدرهم ولا الدينار، وإن ما عابه هي الشدة التي ورثها من الحجاج.